تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خذف *

التّعريف

1 - الخذف لغةً : رميك بحصاة ، أو نواة تأخذها بين سبّابتيك ، أو تجعل مخذفةً من خشب ترمي بها بين الإبهام والسّبّابة .

قال الأزهريّ : الخذف : الرّمي بالحصى الصّغار بأطراف الأصابع ، وقال مثله الجوهريّ ، وقال المطرّزيّ ، وقيل : أن تضع طرف الإبهام على طرف السّبّابة . وخصّ بعضهم به الحصى ، ويطلق على المقلاع أيضاً ، وقال ابن سيده : خذف الشّيء يخذف ، فارسيّ . ورمي الجمار يكون بمثل حصى الخذف ، وهي صغار ، وفي حديث رمي الجمار : « عليكم بمثل حصى الخذف » ، وحصى الخذف الصّغار مثل النّوى .

ولا يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى اللّغويّ .

الألفاظ ذات الصّلة :

الحذف - الطّرح - القذف - الإلقاء :

2 - من معاني هذه الألفاظ الرّمي فهي تلتقي مع الخذف في هذا المعنى ، إلاّ أنّ الخذف رمي بكيفيّة خاصّة .

الحكم التّكليفيّ :

3 - الأصل في بيان حكم الخذف ، ما روي عن عبد اللّه بن مغفّل المزنيّ قال : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن الخذف ، قال : إنّه لا يقتل الصّيد ، ولا ينكأ العدوّ ، وإنّه يفقأ العين ويكسر السّنّ » .

وقد اختلف الفقهاء في حكم الخذف فمنهم من ذهب إلى أنّ الخذف محرّم على الإطلاق ، قال القاضي عياض : نهى عن الخذف ، لأنّه ليس من آلات الحرب الّتي يتحرّز بها ، ولا من آلات الصّيد لأنّها ترضّ ، وقتيلها وقيذ ، ولا ممّا يجوز اللّهو به مع ما فيه من فقء العين وكسر السّنّ . ومنهم من نظر إلى ما يمكن أن يكون فيه من مصلحة - قال النّوويّ - : في هذا الحديث النّهي عن الخذف ، لأنّه لا مصلحة فيه ، ويخاف مفسدته ، ويلتحق به كلّ ما شاركه في هذا ، ثمّ قال : وفيه أنّ ما كان فيه مصلحة أو حاجة في قتال العدوّ ، وتحصيل الصّيد فهو جائز ، ومن ذلك رمي الطّيور الكبار بالبندق إذا كان لا يقتلها غالباً بل تدرك حيّةً وتذكّى فهو جائز .

وقال ابن حجر : صرّح مجلّي في الذّخائر بمنع الرّمي بالبندقيّة ، وبه أفتى ابن عبد السّلام ، وجزم النّوويّ بحلّه ، لأنّه طريق إلى الاصطياد ، قال ابن حجر : والتّحقيق التّفضيل ، فإن كان الأغلب من حال الرّمي ما ذكر من الحديث امتنع ، وإن كان عكسه جاز ، ولا سيّما إن كان الرّمي ممّا لا يصل إليه الرّمي إلاّ بذلك ثمّ لا يقتله غالباً .

وفي شرح منتهى الإرادات : كره الشّيخ تقيّ الدّين الرّمي ببندق مطلقاً لنهي عثمان ، قال ابن منصور وغيره : لا بأس ببيع البندق يرمى بها الصّيد لا للّعب .

هذا وقد ذكر الفقهاء ما يدلّ على جواز الرّمي بالأحجار في حال القتال ، أو في حال التّدريب، أو المسابقة بغير عوض .

الأحكام المتعلّقة بالخذف :

أوّلاً : في رمي الجمار :

4 - رمي الجمار بالحصى من شعائر الحجّ . والأصل في ذلك ما روي من قوله صلى الله عليه وسلم من حديث الفضل بن عبّاس رضي الله عنهما : « عليكم بحصى الخذف الّذي يرمى به الجمرة » « وقوله لعبد اللّه بن العبّاس غداة العقبة وهو على راحلته : هات القط لي فلقطت له حصيات هي حصى الخذف ، فلمّا وضعتهنّ في يده قال : بأمثال هؤلاء ، وإيّاكم والغلوّ في الدّين ، فإنّما أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدّين » .

وعن عبد الرّحمن بن معاذ رضي الله تعالى عنه أنّه قال : « خطبنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ونحن بمنىً ففتحت أسماعنا ، حتّى كنّا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا ، فطفق يعلّمهم مناسكهم حتّى بلغ الجمار فوضع أصبعيه السّبّابتين ، ثمّ قال : بحصى الخذف » . وقد اختلف الفقهاء في المقصود بالخذف في هذه الأحاديث . هل هو بيان قدر الحصاة ، أو هو بيان كيفيّة الرّمي ، أو هما معاً ؟ .

5 - أمّا بالنّسبة لبيان الكيفيّة فقد ذهب الفقهاء في الجملة إلى أنّ الرّمي يصحّ بطريقة الخذف لكنّ الأصحّ والأيسر أن يضع الحصاة بين طرفي السّبّابة والإبهام من اليد اليمنى ويرمي . وأورد الحنفيّة الكيفيّات التّالية :

أ - أن يضع الإنسان طرف إبهامه اليمنى على وسط السّبّابة ، ويضع الحصاة على ظهر الإبهام كأنّه عاقد سبعين فيرمي الجمرة .

ب - أن يحلّق سبّابته ويضعها على مفصل إبهامه كأنّه عاقد عشرةً .

قال في فتح القدير إنّ هذه الصّورة : وهذا في التّمكّن من الرّمي به مع الزّحمة عسر .

ج - أن يأخذ الحصاة بطرفي إبهامه وسبّابته .

قال الحنفيّة عن هذه الصّورة الأخيرة : هذا هو الأصل والأصحّ والأيسر المعتاد ، قالوا : ولم يقم دليل على أولويّة تلك الكيفيّة " أي الّتي فيها خذف " سوى قوله عليه الصلاة والسلام :

« ارموا الجمرة بمثل حصى الخذف »

وهذا لا يدلّ ولا يستلزم كون كيفيّة الرّمي المطلوبة كيفيّة الخذف ، وإنّما الحديث يدلّ على تعيين ضابط مقدار الحصاة إذ كان مقدار ما يخذف به معلوماً لهم ، وأمّا ما زاد في رواية صحيح مسلم بعد قوله : عليكم بحصى الخذف من قوله : ويشير بيده كما يخذف الإنسان ، يعني عندما نطق بقوله : عليكم بحصى الخذف أشار بصورة الخذف بيده ، فليس يستلزم طلب كون الرّمي بصورة الخذف ، لجواز كونه يؤكّد كون المطلوب حصى الخذف ، كأنّه قال : خذوا حصى الخذف الّذي هو هكذا ، ليشير أنّه لا تجوز في كونه حصى الخذف ، وهذا لأنّه لا يعقل في خصوص وضع الحصاة في اليد على هذه الهيئة وجه قربة ، فالظّاهر أنّه لا يتعلّق به غرض شرعيّ ، بل بمجرّد صغر الحصاة ، ولو أمكن أن يقال : فيه إشارة إلى كون الرّمي خذفاً ، عارضه كونه وضعًا غير متمكّن ، واليوم يوم زحمة يوجب نفي غير المتمكّن .

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ٩٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ٩٣٢