تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخلاصة في أحكام الدفن

وفي الموسوعة الفقهية :

دفن *

التّعريف :

1 - الدّفن في اللّغة بمعنى المواراة والسّتر . يقال : دفن الميّت واراه ، ودفن سرّه : أي كتمه . وفي الاصطلاح : مواراة الميّت في التّراب .

الحكم الإجماليّ :

2 - دفن المسلم فرض كفايةٍ إجماعاً إن أمكن . والدّليل على وجوبه : توارث النّاس من لدن آدم عليه السّلام إلى يومنا هذا مع النّكير على تاركه .

وأوّل من قام بالدّفن هو قابيل الّذي أرشده اللّه إلى دفن أخيه هابيل ، لمّا جاء في قوله تعالى ﴿ فَبَعَثَ اللّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ﴾ .

وإذا لم يمكن : كما لو مات في سفينةٍ ، غسّل وكفّن وصلّي عليه ثمّ ألقي في البحر إن لم يكن قريباً من البرّ . وتقدير القرب : بأن يكون بينه وبين البرّ مدّة لا يتغيّر فيها الميّت . وصرّح بعض الفقهاء أنّه يثقّل بشيءٍ ليرسب ، وقال الشّافعيّ : يثقّل إن كان قريباً من دار الحرب ، وإلاّ يربط بين لوحين ليحمله البحر إلى السّاحل ، فربّما وقع إلى قومٍ يدفنونه .

أفضل مكان للدّفن :

3 - المقبرة أفضل مكان للدّفن ، وذلك للاتّباع ، ولنيل دعاء الطّارقين ، وفي أفضل مقبرةٍ بالبلد أولى . وإنّما دفن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في بيته ، لأنّ من خواصّ الأنبياء أنّهم يدفنون حيث يموتون .

ويكره الدّفن في الدّار ولو كان الميّت صغيراً . وقال ابن عابدين : وكذلك الدّفن في مدفنٍ خاصٍّ كما يفعله من يبني مدرسةً ونحوها ويبني له بقربه مدفناً .

وأمّا الدّفن في المساجد ، فقد صرّح المالكيّة بأنّه يكره دفن الميّت في المسجد الّذي بني للصّلاة فيه .

ويرى الحنابلة أنّه يحرم دفنه في مسجدٍ ونحوه كمدرسةٍ ، ورباطٍ لتعيين الواقف الجهة لغير ذلك فينبش عندهم من دفن بمسجدٍ تداركاً للعمل بشرط الواقف .

كما يحرم دفنه في ملك غيره بلا إذن ربّه للعدوان ، وللمالك إلزام دافنه بإخراجه ونقله ليفرغ له ملكه عمّا شغله به بغير حقٍّ . والأولى له تركه حتّى يبلى لما فيه من هتك حرمته .

نقل الميّت من مكان إلى آخر :

4 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه لا يجوز نقل الميّت من مكان إلى آخر بعد الدّفن مطلقاً . وأفتى بعض المتأخّرين من الحنفيّة بجوازه إلاّ أنّ ابن عابدين ردّه فقال نقلاً عن الفتح : اتّفاق مشايخ الحنفيّة في امرأةٍ دفن ابنها وهي غائبة في غير بلدها فلم تصبر ، وأرادت نقله على أنّه لا يسعها ذلك ، فتجويز بعض المتأخّرين لا يلتفت إليه .

وأمّا نقل يعقوب ويوسف عليهما السلام من مصر إلى الشّام ، ليكونا مع آبائهما الكرام فهو شرع من قبلنا ، ولم يتوفّر فيه شروط كونه شرعاً لنا .

وأمّا قبل دفنه فيرى الحنفيّة وهو رواية عن أحمد أنّه لا بأس بنقله مطلقاً ، وقيل إلى ما دون مدّة السّفر ، وقيّده محمّد بقدر ميلٍ أو ميلين .

وذهب جمهور الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه لا يجوز نقل الميّت قبل الدّفن من بلدٍ إلى آخر إلاّ ; لغرضٍ صحيحٍ . وبه قال الأوزاعيّ وابن المنذر .

قال عبد اللّه بن أبي مليكة : « توفّي عبد الرّحمن بن أبي بكرٍ بالحبشة ، فحمل إلى مكّة فدفن ، فلمّا قدمت عائشة رضي الله تعالى عنها أتت قبره ، ثمّ قالت : واللّه لو حضرتك ما دفنت إلاّ حيث متّ ، ولو شهدتك ما زرتك » .

ولأنّ ذلك أخفّ لمؤنته ، وأسلم له من التّغيير ، وأمّا إن كان فيه غرض صحيح جاز .

قال الشّافعيّ رحمه الله : لا أحبّه إلاّ أن يكون بقرب مكّة ، أو المدينة ، أو بيت المقدس . فيختار أن ينقل إليها لفضل الدّفن فيها ، وقال بعض الشّافعيّة : يكره نقله ، وقال صاحب " التّتمّة " وآخرون : يحرم نقله .

وأمّا المالكيّة فيجوز عندهم نقل الميّت قبل الدّفن وكذا بعده من مكان إلى آخر بشروطٍ هي : - أن لا ينفجر حال نقله

- أن لا تنتهك حرمته

- وأن يكون لمصلحةٍ : كأن يخاف عليه أن يأكله البحر ، أو تُرجى بركة الموضع المنقول إليه ، أو ليدفن بين أهله ، أو لأجل قرب زيارة أهله ، أو دفن من أسلم بمقبرة الكفّار ، فيتدارك بإخراجه منها ، ودفنه في مقبرة المسلمين .

فإن تخلّف شرط من هذه الشّروط الثّلاثة كان النّقل حراماً .

واتّفق الأئمّة على أنّ الشّهيد يستحبّ دفنه حيث قتل . لما روي « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بقتلى أحدٍ أن يردّوا إلى مصارعهم » . وأنّه ينزع عنه الحديد والسّلاح ، ويترك عليه خفّاه ، وقلنسوته ; لما روي عن ابن عبّاسٍ : « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أمر بقتلى أحدٍ أن ينزع عنهم الحديد والجلود ، وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم » .

ودفن الشّهيد بثيابه حتم عند الحنفيّة والمالكيّة عملاً بظاهر الحديث ، وأولى عند الشّافعيّة والحنابلة . فللوليّ أن ينزع عنه ثيابه ، ويكفّنه بغيرها .

وتفصيل ذلك في مصطلح : ( شهيد ، وتكفين ) .

وصرّح الشّافعيّة بأنّ الكافر إن مات في الحجاز ، وشقّ نقله منه لتقطّعه ، أو بُعد المسافة من غير الحجاز أو نحو ذلك دفن ثَمَّ ، أمّا الحربيّ فلا يجب دفنه ، وفي وجهٍ لا يجوز ، فإن دفن فيترك .

وأمّا في حرم مكّة فينقل منه ولو دفن ، لأنّ المحلّ غير قابلٍ لذلك ، وإن كان بإذنٍ من الإمام، لأنّ إذن الإمام لا يؤثّر في ذلك . ولأنّ بقاء جيفته فيه أشدّ من دخوله حيّاً إلاّ إذا تهرّى وتقطّع بعد دفنه ترك . وليس حرم المدينة كحرم مكّة فيما ذكر لاختصاص حرم مكّة بالنّسك .

دفن الأقارب في مقبرةٍ واحدةٍ :

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ٩٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ٩٦٧