استفتاحٌ *
التعريف : المعنى اللّغويّ :
1 - الاستفتاح : طلب الفتح ، والفتح نقيض الإغلاق . ومنه فتح الباب ، واستفتحه : إذا طرقه ليفتح له . ويكون الفتح أيضاً بمعنى القضاء والحكم ، ومنه قول اللّه تعالى مخبراً عن شعيبٍ : ﴿ ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين ﴾ . وفي حديث ابن عبّاسٍ : ما كنت أدري ما قول اللّه تعالى : ﴿ ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ ﴾ حتّى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها : تعال أفاتحك ، أي أحاكمك .
والاستفتاح طلب القضاء . ويكون الفتح بمعنى النّصر ، واستفتح : طلب النّصر . ومنه الآية : ﴿ إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ﴾ . وفي تاج العروس : في المستدرك على ما قاله الفيروز آباديّ : إنّ فتح عليه يكون بمعنى عرّفه وعلّمه . قال : وقد فسّر به قوله تعالى : ﴿ قالوا أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم ليحاجّوكم به عند ربّكم ﴾ .
المعنى الاصطلاحيّ :
2 - يستعمل الفقهاء الاستفتاح بمعانٍ :
الأوّل : استفتاح الصّلاة ، وهو الذّكر الّذي الّذي تبدأ به الصّلاة بعد التّكبير . وقد يقال له : دعاء الاستفتاح . وإنّما سمّي بذلك لأنّه أوّل ما يقوله المصلّي بعد التّكبير ، فهو يفتتح به صلاته ، أي يبدؤها به .
الثّاني : استفتاح القارئ إذا ارتجّ عليه ، أي استغلق عليه باب القراءة ، فلم يتمكّن منها ، فهو يعيد الآية ويكرّرها ليفتح عليه من يسمعه .
الثّالث : طلب النّصرة .
استفتاح الصّلاة :
3 - يعبّر عنه بعض الفقهاء أيضاً بدعاء الاستفتاح ، وبالافتتاح ، وبدعاء الافتتاح . إلاّ أنّ الأكثر يقولون : الاستفتاح . واستفتح : أي قال الذّكر الوارد في موضعه بعد التّكبير .
الألفاظ ذات الصّلة :
الثّناء :
4 - الثّناء لغةً : المدح ، وفي الاصطلاح : ما كان من ذكر اللّه تعالى وصفاً له بأوصافه الحميدة ، وشكراً له على نعمه الجليلة ، سواءٌ كان بالصّيغة الواردة : " سبحانك اللّهمّ وبحمدك ... إلخ " ، أو غيرها ممّا يدلّ على المعنى المذكور .
أمّا الدّعاء فليس ثناءً . وهذا هو الجاري مع الاستعمال اللّغويّ .
وفي اصطلاحٍ آخر : الثّناء لكلّ ما يستفتح به ولو كان دعاءً . قال الإمام الرّافعيّ : وكلّ واحدٍ من هذين الذّكرين ، أعنى " وجّهت وجهي ... " وسبحانك اللّهمّ ... " يسمّى دعاء الاستفتاح وثناءه . وعلى ذلك فالاستفتاح أخصّ من الثّناء .
حكم الاستفتاح :
5 - قال جمهور الفقهاء : الاستفتاح سنّةٌ ، لما ورد في الأحاديث الّتي سيأتي ذكرها في الصّيغ المأثورة في الاستفتاح . وذهبت طائفةٌ من أصحاب الإمام أحمد إلى وجوب الذّكر الّذي هو ثناءٌ ، كالاستفتاح بنحو " سبحانك اللّهمّ وبحمدك ... " وهو اختيار ابن بطّة وغيره ، وذكر هذا روايةً عن أحمد . وخالف في ذلك مالكٌ ، ففي المدوّنة قال ابن القاسم : كان مالكٌ لا يرى هذا الّذي يقول النّاس " سبحانك اللّهمّ وبحمدك ، وتبارك اسمك ، وتعالى جدّك ، ولا إله غيرك " . وكان لا يعرفه . ثمّ نقل من رواية ابن وهبٍ بسنده إلى أنس بن مالكٍ « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأبا بكرٍ وعمر وعثمان كانوا يفتتحون الصّلاة بالحمد للّه ربّ العالمين » : قال : وقال مالكٌ : من كان وراء الإمام ، ومن هو وحده ، ومن كان إماماً فلا يقل : " سبحانك اللّهمّ وبحمدك ، وتبارك اسمك ... إلخ " . ولكن يكبّرون ثمّ يبتدئون القراءة . وقد صرّح فقهاء المالكيّة بأنّ الحكم كراهة الفصل بين التّكبير والقراءة بدعاءٍ . سواءٌ أكان دعاء الاستفتاح أو غيره . إلاّ أنّ في كفاية الطّالب : أنّ هذا هو المشهور عن مالكٍ ، ثمّ قال : واستحبّ بعضهم الفصل بينهما بلفظ : " سبحانك اللّهمّ وبحمدك ... إلخ " .
وقال العدويّ معلّقاً على ذلك : في قوله والمشهور عن مالكٍ إلخ إشارةً إلى أنّ هذا القول لمالكٍ " إلاّ أنّه ليس مشهوراً عنه . ثمّ قد جاء في جواهر الإكليل تعليقاً على قول خليلٍ بالكراهة : أي يكره على المشهور للعمل ، وإن صحّ الحديث به - يعني ما قاله الدّسوقيّ : لأنّه لم يصحبه عملٌ - ثمّ قال : وعن مالكٍ ندب قوله قبلها - أي قبل تكبيرة الإحرام - : سبحانك اللّهمّ وبحمدك ... إلخ ، وجّهت وجهي ... إلخ ، اللّهمّ باعد ... إلخ . قال ابن حبيبٍ : يقوله بعد الإقامة وقبل الإحرام . قال في البيان : وذلك حسنٌ .. ا هـ . وكذلك نقل الرّافعيّ من الشّافعيّة عن مالكٍ قوله : لا يستفتح بعد التّكبير إلاّ بالفاتحة ، والدّعاء والتّعوّذ يقدمهما على التّكبير . فكأنّ خلاف المالكيّة في الاستفتاح راجعٌ إلى موضعه ، فعندهم يكون قبل التّكبير ، وعند غيرهم بعده . هذا وقد استثنى الشّافعيّة حالة خشية خروج الوقت قبل تمام الصّلاة ، فلا يأتي بدعاء الاستفتاح إلاّ حيث لم يخف خروج شيءٍ من الصّلاة عن وقتها ، فإن خاف خروج شيءٍ من الصّلاة عن الوقت حرم الإتيان بدعاء الاستفتاح . وهو في هذا مخالفٌ لبقيّة سنن الصّلاة ، فإنّ السّنن يأتي بها إذا أحرم في وقتٍ يسعها وإن لزم صيرورتها قضاءً ، قال الشبراملسي : ويمكن الفرق بين الافتتاح وبقيّة السّنن بأنّه عهد طلب ترك دعاء الافتتاح في الجنازة ، وفيما لو أدرك الإمام في ركوعٍ أو اعتدالٍ ، فانحطّت رتبته عن بقيّة السّنن . أو بأنّ السّنن شرعت مستقلّةً وليست مقدّمةً لشيءٍ ، بخلاف دعاء الافتتاح ، فإنّه شرع مقدّمةً لغيره ، يعني للقراءة . قالوا : ولو خشي إن اشتغل بدعاء الاستفتاح فوت الصّلاة لهجوم الموت عليه فيها ، أو خشيت طروّ دم الحيض ، فلا يشتغل به كذلك .
صيغ الاستفتاح المأثورة :