مُدْرِك *
التّعريف :
1 - المدرِك - بكسر الرّاء - في اللغة اسم فاعلٍ من أدرك الرّجل إذا لحقه , وتدارك القوم : لحق آخرهم أوّلهم , ومنه قوله تعالى في التّنزيل : ﴿ حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً ﴾ .
والمدرك اصطلاحاً : هو الّذي أدرك الإمام بعد تكبيرة الإحرام .
قال الحصكفي : المدرك هو من صلّى الصّلاة كاملةً مع الإمام , قال ابن عابدين : أي أدرك جميع ركعاتها معه , سواء أدرك معه التّحريمة أو أدركه في جزءٍ من ركوع الرّكعة الأولى إلى أن قعد معه القعدة الأخيرة , سواء سلّم معه أو قبله .
كما يطلق الفقهاء لفظ المدرك على من أدرك جزءاً من الصّلاة في الوقت .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - المسبوق :
2 - المسبوق في اللغة اسم مفعولٍ من السّبق , وأصله التّقدم .
وفي الاصطلاح قال الجرجاني : هو الّذي أدرك الإمام بعد ركعةٍ أو أكثر .
وعرّفه الشّافعيّة بأنّه : هو الّذي لم يدرك مع الإمام محلّ قراءة الفاتحة المعتدلة .
والصّلة بين المدرك والمسبوق : أنّ كلاً منهما مقتدٍ بالإمام , غير أنّ المدرك مقتدٍ في الصّلاة كلّها والمسبوق مقتدٍ في بعضها .
ب - اللاحق :
3 - اللاحق في اللغة : اسم فاعلٍ من لحق , يقال : لحقت به ألحق لحاقاً : أدركته .
وفي الاصطلاح عرّفه الحنفيّة - وهو اصطلاح خاص بهم - بأنّه : من فاتته الرّكعات كلها أو بعضها بعد اقتدائه بعذر كغفلة وزحمةٍ , وسبق حدثٍ ونحوها , أو بغير عذرٍ بأن سبق إمامه في ركوعٍ وسجودٍ .
والصّلة بين المدرك واللاحق : أنّ المدرك لم يفته شيء من الصّلاة مع الإمام , أمّا اللاحق فقد فاتته الرّكعات كلها أو بعضها مع الإمام .
ما يتعلّق بالمدرك من أحكامٍ :
أوّلاً : المدرك لوقت الصّلاة بعد زوال الأسباب المانعة :
4 - اختلف الفقهاء في وجوب الصّلاة على المدرك لوقتها بعد زوال الأسباب المانعة لوجوبها بأقلّ من ركعةٍ وهى : الحيض والنّفاس , والكفر والصّبا , والجنون والإغماء , والنّسيان والسّفر والإقامة , ونحو ذلك .
ولا خلاف بين جمهور الفقهاء في أنّه إذا زالت هذه الأعذار , كأن طهرت الحائض والنفساء , وأسلم الكافر , وبلغ الصّبي , وأفاق المجنون والمغمى عليه , وتذكّر النّاسي , واستيقظ النّائم , وقد بقي من وقت الصّلاة قدر ركعةٍ أو أكثر وجب عليه أداء تلك الصّلاة لحديث : « من أدرك ركعةً من الصبح قبل أن تطلع الشّمس فقد أدرك الصبح , ومن أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشّمس فقد أدرك العصر » , ولحديث : « من أدرك ركعةً من الصّلاة فقد أدرك الصّلاة » , ولم يخالفهم في هذا إلا زفر حيث قال : لا يجب عليه أداء تلك الصّلاة إلا إذا بقي من الوقت مقدار ما يؤدّي فيه الفرض لأنّ وجوب الأداء يقتضي تصور الأداء , وأداء كلّ الفرض في هذا القدر لا يتصوّر , فاستحال وجوب الأداء .
قال الكاساني : وهو اختيار القدوريّ من الحنفيّة .
وأمّا إذا أدرك أقلّ من ركعةٍ فاختلف جمهور الفقهاء , فقال الحنفيّة - عدا زفر ومن معه - والشّافعيّة في الرّاجح عندهم والحنابلة : إذا زالت الأسباب المانعة من وجوب الصّلاة , وقد بقي من وقت الصّلاة قدر تكبيرة الإحرام أو أكثر وجبت الصّلاة , لأنّ الصّلاة لا تتجزّأ , فإذا وجب البعض وجب الكل , فإذا لم يبق من الوقت إلا قدر ما يسع التّحريمة وجبت التّحريمة , ثمّ تجب بقيّة الصّلاة لضرورة وجوب التّحريمة فيؤدّيها في الوقت المتّصل به , ولأنّ القدر الّذي يتعلّق به الوجوب يستوي فيه قدر الرّكعة ودونها , كما أنّ المسافر إذا اقتدى بمتمّ في جزءٍ من صلاته يلزمه الإتمام .
ونصّ الشّافعيّة على أنّه لا يشترط لوجوب الصّلاة أن يدرك مع التّكبيرة قدر الطّهارة على الأظهر , ولكن يشترط بقاء السّلامة من الموانع بقدر فعل الطّهارة والصّلاة أخف ما يمكن , فلو عاد المانع قبل ذلك كأن بلغ ثمّ جنّ لم تجب الصّلاة .
وقال الحنفيّة : ما يتعلّق من الوجوب بمقدار التّحريمة في حقّ الحائض هو إذا كانت أيّامها عشراً , فأمّا إذا كانت أيّامها دون العشرة فإنّما تجب عليها الصّلاة إذا طهرت وعليها من الوقت مقدار ما تغتسل فيه , فإن كان عليها من الوقت ما لا تستطيع أن تغتسل فيه , أو لا تستطيع أن تتحرّم للصّلاة فيه فليس عليها تلك الصّلاة , حتّى لا يجب عليها القضاء . والفرق أنّ أيّامها إذا كانت أقلّ من عشرةٍ لا يحكم بخروجها من الحيض بمجرّد انقطاع الدّم ما لم تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاةٍ تصير تلك الصّلاة ديناً عليها , وإذا كانت أيّامها عشرةً بمجرّد الانقطاع يحكم بخروجها من الحيض , فإذا أدركت جزءاً من الوقت يلزمها قضاء تلك الصّلاة , سواء تمكّنت من الاغتسال أو لم تتمكّن , بمنزلة كافرٍ أسلم وهو جنب أو صبيٍّ بلغ بالاحتلام في آخر الوقت فعليه قضاء تلك الصّلاة , سواء تمكّن من الاغتسال في الوقت أو لم يتمكّن .
وذهب المالكيّة وهو قول عند الشّافعيّة إلى أنّه إذا ارتفعت الأسباب المانعة لوجوب الصّلاة وقد بقي من الوقت ما يسع أقلّ من ركعةٍ لم تجب الصّلاة , فيشترط عندهم أن يدرك بعد ارتفاع الأعذار قدر ركعةٍ أخفّ ما يقدر عليه أحد , لمفهوم حديث : « من أدرك ركعةً من الصبح قبل أن تطلع الشّمس فقد أدرك الصبح » , ولأنّه إدراك تعلّق به إدراك الصّلاة فلم يكن بأقلّ من ركعةٍ .
كما أنّ الجمعة لا تدرك إلا بركعة .