زيارة النّبيّ صلى الله عليه وسلم *
التّعريف :
1 - الزّيارة : اسم من زاره يزوره زوراً وزيارةً ، قصده مكرماً له .
وزيارة النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعد وفاته تتحقّق بزيارة قبره صلى الله عليه وسلم .
الحكم التّكليفيّ :
2 - أجمعت الأمّة الإسلاميّة سلفاً وخلفاً على مشروعيّة زيارة النّبيّ صلى الله عليه وسلم . وقد ذهب جمهور العلماء من أهل الفتوى في المذاهب إلى أنّها سنّة مستحبّة ، وقالت طائفة من المحقّقين : هي سنّة مؤكّدة ، تقرب من درجة الواجبات ، وهو المفتى به عند طائفة من الحنفيّة . وذهب الفقيه المالكيّ أبو عمران موسى بن عيسى الفاسيّ إلى أنّها واجبة .
دليل مشروعيّة الزّيارة :
3 - من أدلّة مشروعيّة زيارته صلى الله عليه وسلم : قوله تعالى : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً ﴾ فإنّه صلى الله عليه وسلم حيّ في قبره بعد موته ، كما أنّ الشّهداء أحياء بنصّ القرآن ، وقد صحّ قوله صلى الله عليه وسلم : « الأنبياء أحياء في قبورهم » ، وإنّما قال : هم أحياء أي لأنّهم كالشّهداء بل أفضل ، والشّهداء أحياء عند ربّهم ، وفائدة التّقييد بالعنديّة الإشارة إلى أنّ حياتهم ليست بظاهرة عندنا وهي كحياة الملائكة .
وفي صحيح مسلم في حديث الإسراء « قال صلى الله عليه وسلم : مررت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلّي في قبره » .
وقوله صلى الله عليه وسلم : « فزوروا القبور ، فإنّها تذكر الموت » فهو دليل على مشروعيّة زيارة القبور عامّةً ، وزيارته صلى الله عليه وسلم أولى ما يمتثل به هذا الأمر ، فتكون زيارته داخلةً في هذا الأمر النّبويّ الكريم .
وقوله صلى الله عليه وسلم : « من زارني بعد موتي فكأنّما زارني في حياتي » .
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث : « من زار قبري وجبت له شفاعتي » . فاستدلّ بعض الفقهاء بهذه الأدلّة على وجوب زيارته صلى الله عليه وسلم لما في الأحاديث الأخرى من الحضّ أيضاً .
وحملها الجمهور على الاستحباب ، ولعلّ ملحظهم في ذلك أنّ هذه الأدلّة ترغّب بتحصيل ثواب أو مغفرة أو فضيلة ، وذلك يحصل بوسائل أخر ، فلا تفيد هذه الأدلّة الوجوب .
قال القاضي عياض في كتاب الشّفاء : وزيارة قبره عليه الصلاة والسلام سنّة من سنن المسلمين مجمع عليها ، وفضيلة مرغّب فيها .
فضل زيارة النّبيّ صلى الله عليه وسلم :
4 - دلّت الدّلائل السّابقة على عظمة فضل زيارة النّبيّ صلى الله عليه وسلم وجزيل مثوبتها فإنّها من أهمّ المطالب العالية والقربات النّافعة المقبولة عند اللّه تعالى ، فبها يرجو المؤمن مغفرة اللّه تعالى ورحمته وتوبته عليه من ذنوبه ، وبها يحصل الزّائر على شفاعة خاصّة من النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ، وما أعظمه من فوز .
وعلى ذلك انعقد إجماع المسلمين في كافّة العصور ، كما صرّح به عياض والنّوويّ والسّنديّ وابن الهمام .
قال الحافظ ابن حجر : إنّها من أفضل الأعمال وأجلّ القربات الموصّلة إلى ذي الجلال ، وإنّ مشروعيّتها محلّ إجماع بلا نزاع .
وكذلك قال القسطلّانيّ : اعلم أنّ زيارة قبره الشّريف من أعظم القربات وأرجى الطّاعات ، والسّبيل إلى أعلى الدّرجات .
آداب زيارة النّبيّ صلى الله عليه وسلم :
5 - أ - أن ينوي زيارة المسجد النّبويّ أيضاً لتحصيل سنّة زيارة المسجد وثوابها لما في الحديث عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « لا تشدّ الرّحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد : مسجدي هذا ، ومسجد الحرام ، ومسجد الأقصى » .
ب - الاغتسال لدخول المدينة المنوّرة ، ولبس أنظف الثّياب ، واستشعار شرف المدينة لتشرّفها به صلى الله عليه وسلم .
ج - المواظبة على صلاة الجماعة في المسجد النّبويّ مدّة الإقامة في المدينة ، عملاً بالحديث الثّابت عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلاّ المسجد الحرام » .
د - أن يتبع زيارته صلى الله عليه وسلم بزيارة صاحبيه شيخي الصّحابة رضي اللّه عنهما وعنهم جميعاً ، أبي بكر الصّدّيق ، وقبره إلى اليمين قدر ذراع ، وعمر يلي قبر أبي بكر إلى اليمين أيضاً .
ما يكره في زيارة قبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم :
6 - يقع لكثير من النّاس أمور مكروهة في زيارتهم لقبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم نشير إلى أهمّها :
أ - التّزاحم عند الزّيارة ، وذلك أمر لا موجب له ، بل هو خلاف الأدب ، لا سيّما إذا أدّى إلى زحام النّساء فإنّ الأمر شديد .
ب - رفع الأصوات بالصّلاة والسّلام على النّبيّ صلى الله عليه وسلم أو بالدّعاء عند زيارته صلى الله عليه وسلم .
ج - التّمسّح بقبره الشّريف صلى الله عليه وسلم أو بشبّاك حجرته . أو إلصاق الظّهر أو البطن بجدار القبر .
قال ابن قدامة : ولا يستحبّ التّمسّح بحائط قبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم ولا تقبيله ، قال أحمد : ما أعرف هذا .
قال الأثرم : رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسّون قبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقومون من ناحية فيسلّمون . قال أبو عبد اللّه : وهكذا كان ابن عمر يفعل .