رعاف *
التّعريف :
1 - الرّعاف لغةً : اسم من رعف رعفاً ، وهو خروج الدّم من الأنف ، وقيل : الرّعاف الدّم نفسه ، وأصله السّبق والتّقدّم ، وفرس راعف أي سابق ، وسمّي الرّعاف بذلك لأنّه يسبق علم الشّخص الرّاعف .
ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن المعنى اللّغويّ .
الأحكام المتعلّقة بالرّعاف :
انتقاض الوضوء بالرّعاف :
2 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ الوضوء لا ينتقض بخروج شيءٍ من غير السّبيلين كدم الفصد ، والحجامة ، والقيء ، والرّعاف ، سواء قلّ ذلك أو كثر ، لما روى أنس رضي الله عنه :» أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم احتجم فصلّى ولم يتوضّأ ولم يزد على غسل محاجمه « . وبهذا قال عمر ، وابن عبّاسٍ وابن أبي أوفى ، وجابر وأبو هريرة ، وعائشة وسعيد بن المسيّب وسالم بن عبد اللّه بن عمر ، والقاسم بن محمّدٍ ، وطاوس ، وعطاء ، ومكحول وربيعة ، وأبو ثورٍ .
قال البغويّ : وهو قول أكثر الصّحابة .
ويرى الحنابلة أنّ الرّعاف لا ينقض الوضوء إلاّ إذا كان فاحشاً كثيراً .
أمّا كون الكثير ينقض الوضوء ، فلقوله عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة لفاطمة بنت أبي حبيشٍ عن دم الاستحاضة : » إنّما ذلك عرق ، وليست بالحيضة ، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصّلاة « ، وفي روايةٍ : » توضّئي لكلّ صلاةٍ « . ولأنه نجاسة خارجة من البدن أشبهت الخارج من السّبيل .
وأمّا كون القليل لا ينقض فلمفهوم قول ابن عبّاسٍ في الدّم إذا كان فاحشاً فعليه الإعادة . قال أحمد : عدّة من الصّحابة تكلّموا فيه ، وابن عمر عصر بثرةً فخرج الدّم فصلّى ولم يتوضّأ ، وابن أبي أوفى عصر دمّلاً ، وذكر أحمد غيرهما ، ولم يعرف لهم مخالف من الصّحابة فكان إجماعاً .
ويرى الحنفيّة القائلون بنقض الوضوء بسيلان الدّم عن موضعه أنّ الرّعاف ينقض الوضوء، وكذا لو نزل الدّم من الرّأس إلى ما لان من الأنف ولم يظهر على الأرنبة نقض الوضوء .
وهو مذهب الثّوريّ والأوزاعيّ وأحمد وإسحاق ، قال الخطّابيّ : وهو قول أكثر الفقهاء ، وحكاه غيره عن عمر بن الخطّاب وعليٍّ رضي الله عنهما ، وعن عطاءٍ ، وابن سيرين ، وابن أبي ليلى .
واستدلّوا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : » الوضوء من كلّ دمٍ سائلٍ « ووجه الاستدلال أنّ مثل هذا التّركيب يفهم منه الوجوب .
كما احتجّوا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : » من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضّأ ثمّ ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلّم « .
ونقل العينيّ أنّ وجه الاستدلال بالحديث من وجوهٍ :
الأوّل : أنّه أمر بالبناء وأدنى درجات الأمر الإباحة والجواز ، ولا جواز للبناء إلاّ بعد الانتقاض ، فدلّ بعبارته على البناء وعلى الانتقاض بمقتضاه .
والثّاني : أنّه أمر بالوضوء ومطلق الأمر للوجوب .
والثّالث : أنّه أباح الانصراف ، وهو لا يباح بعد الشّروع إلاّ به .
هذا ومن يرى أنّ الرّعاف ينقض الوضوء يعتبر الرّعاف الدّائم عذراً من الأعذار الّتي تبيح العبادة مع وجود العذر .
3 - وشرط اعتبار الرّعاف عذراً ابتداءً عند هؤلاء الفقهاء أن يستوعب استمراره وقت الصّلاة كاملاً . بمعنى أنّ من حصل له الرّعاف واستمرّ لم يجز له أن يصلّي أوّل صلاةٍ إلاّ في آخر وقتها ، لعدم ثبوت حكم دائم الحدث له ، واحتمال انقطاعه ، فإن استمرّ الحدث إلى آخر وقت الصّلاة ثبت له حكم دائم الحدث ، فيصحّ أن يصلّي الثّانية أو ما بعدها في أوّل وقتها .
كما يشترط أن لا يمضي على الرّاعف وقت صلاةٍ إلاّ والرّعاف فيه موجود ، حتّى لو انقطع الرّعاف وقتاً كاملاً خرج من أن يكون صاحب عذرٍ من وقت الانقطاع .
4 - ومن به رعاف دائم يتوضّأ لوقت كلّ صلاةٍ ، ويصلّي به ما شاء من الفرائض والنّوافل، هذا عند الحنفيّة والحنابلة إن خرج منه الدّم ، أمّا إن لم يخرج منه شيء فلا يتوضّأ عندهم .
وينتقض وضوء الرّاعف بخروج الوقت عند أبي حنيفة ، ومحمّدٍ ، والحنابلة ، وعند زفر ينتقض بدخول الوقت . وعند أبي يوسف بأيّهما كان ، وهو قول أبي يعلى .
أمّا المالكيّة فإنّهم يقولون : إنّ من رعف قبل الدّخول في الصّلاة فإنّه يؤخّر الصّلاة لآخر الوقت الاختياريّ إذا كان يرجو انقطاع الرّعاف ، أمّا إذا علم أنّه لا ينقطع فإنّه يصلّي به على تلك الحال في أوّل الوقت ، إذ لا فائدة في تأخيره ، ثمّ إن انقطع في وقته ليست عليه إعادة .
بناء الرّاعف على صلاته :
5 - يرى الحنفيّة والمالكيّة أنّ الرّعاف لا يفسد الصّلاة فيجوز للرّاعف البناء على صلاته لما روي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : » من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضّأ ثمّ ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلّم « ولما روي أنّ عليّاً رضي الله عنه كان يصلّي خلف عثمان رضي الله عنه فرعف فانصرف وتوضّأ وبنى على صلاته .
ونقل الباجيّ عن القاضي أبي محمّدٍ إجماع الصّحابة على أنّ الرّعاف لا يبطل الصّلاة ولا يمنع البناء .
وقال المالكيّة : الدّم من الخبث لا تصحّ الصّلاة معه مع الذّكر والقدرة كسائر النّجاسات . فمن رعف في الصّلاة وظنّ دوامه لآخر الوقت المختار تمادى في صلاته وجوباً على حالته الّتي هو بها ، ولا فائدة في القطع ما لم يخش من تماديه تلطّخ فرش المسجد ولو خشيه ولو بقطرةٍ قطع صوناً للمسجد من النّجاسة .
وإن لم يظنّ دوامه لآخر المختار بل ظنّ انقطاعه فيه أو شكّ فلا يخلو إمّا أن يكون سائلاً ، أو قاطراً ، أو راشحاً .