دعاء *
التّعريف :
1 - الدّعاء لغةً مصدر دعوت اللّه أدعوه دعاءً ودعوى ، أي ابتهلت إليه بالسّؤال ورغبت فيما عنده من الخير . وهو بمعنى النّداء يقال : دعا الرّجل دعواً ودعاءً أي : ناداه ، ودعوت فلانًا صحت به واستدعيته ، ودعوت زيداً ناديته وطلبت إقباله .
ودعا المؤذّن النّاس إلى الصّلاة فهو داعي اللّه ، والجمع : دعاة وداعون . ودعاه يدعوه دعاءً ودعوى : أي : رغب إليه ، ودعا زيداً : استعانه ، ودعا إلى الأمر : ساقه إليه .
والدّعاء في الاصطلاح : الكلام الإنشائيّ الدّالّ على الطّلب مع الخضوع ،ويسمّى أيضاً سؤالاً. وقد قال الخطّابيّ : حقيقة الدّعاء استدعاء العبد من ربّه العناية واستمداده إيّاه المعونة ، وحقيقته إظهار الافتقار إليه ، والبراءة من الحول والقوّة الّتي له ، وهو سمة العبوديّة وإظهار الذّلّة البشريّة ، وفيه معنى الثّناء على اللّه ، وإضافة الجود والكرم إليه .
2 - وقد ورد في القرآن الكريم بمعان منها :
أ - الاستغاثة : كما في قوله تعالى : ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ، بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ﴾ .
ب - العبادة : كما في قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ .
وقوله تعالى : ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ﴾ .
وقوله تعالى ﴿ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطاً ﴾ .
ج - النّداء : ومنه قوله تعالى : ﴿ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ ﴾ .
وقوله : ﴿ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾ .
د - الطّلب والسّؤال من اللّه : وهو المراد هنا كما في قوله تعالى ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ .وقوله تعالى : ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾.
ويوافق هذا المعنى ما يقال : دعوت اللّه أدعوه دعاءً ، أي ابتهلت إليه بالسّؤال ، ورغبت فيما عنده من الخير ، والدّاعي اسم الفاعل من الدّعاء ، والجمع دعاة ، وداعون ، مثل قاض وقضاة وقاضون .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الاستغفار :
3 - الاستغفار في اللّغة طلب المغفرة بالقول والفعل ، وفي اصطلاح الفقهاء أيضاً يستعمل في ذلك المعنى . والمغفرة في الأصل السّتر ، والمراد بالاستغفار طلب التّجاوز عن الذّنب ، فالمستغفر يطلب من اللّه تعالى المغفرة ، أي عدم المؤاخذة بالذّنب والتّجاوز عنه . قال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ ﴾ . والنّسبة بين الاستغفار والدّعاء العموم والخصوص المطلق ، فكلّ استغفار دعاء ، وليس كلّ دعاء استغفاراً .
ب - الذّكر :
4 - الذّكر هو التّلفّظ بالشّيء وإحضاره في الذّهن بحيث لا يغيب عنه .
وذكر اللّه بالمعنى الأعمّ شامل للدّعاء وغيره . وبالمعنى الأخصّ الّذي هو تمجيد اللّه وتقديسه وذكر أسمائه الحسنى وصفاته العليا مباين للدّعاء ، وانظر مصطلح : ( ذكر ) .
حكم الدّعاء :
5 - قال النّوويّ : إنّ المذهب المختار الّذي عليه الفقهاء والمحدّثون وجماهير العلماء من الطّوائف كلّها من السّلف والخلف أنّ الدّعاء مستحبّ .
وقد يكون الدّعاء واجباً كالدّعاء الّذي تضمّنته سورة الفاتحة أثناء الصّلاة . وكالدّعاء الوارد في صلاة الجنازة ، وكالدّعاء في خطبة الجمعة عند بعض الفقهاء . ر : ( صلاة ، صلاة الجنازة ، خطبة ) .
ثمّ هل الأفضل الدّعاء أم السّكوت والرّضا بما سبق به القدر ؟
نقل النّوويّ عن القشيريّ قوله : اختلف النّاس في أنّ الأفضل الدّعاء أم السّكوت والرّضا ؟ فمنهم من قال : الدّعاء عبادة لقوله صلى الله عليه وسلم : « الدّعاء هو العبادة » .
ولأنّ الدّعاء إظهار الافتقار إلى اللّه تعالى .
وقالت طائفة : السّكوت تحت جريان الحكم أتمّ ، والرّضا بما سبق به القدر أولى .
وقال قوم : يكون صاحب دعاء بلسانه ورضاً بقلبه ليأتي بالأمرين جميعاً .
فضل الدّعاء :
6 - ورد في فضل الدّعاء نصوص كثيرة من الكتاب والسّنّة نورد بعضها فيما يلي :
قال تعالى : ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ .
ومعنى القرب هنا كما نقل عن الزّركشيّ ، أنّه إذا أخلص في الدّعاء ، واستغرق في معرفة اللّه ، امتنع أن يبقى بينه وبين الحقّ واسطة ، وذلك هو القرب .
وقال تعالى : ﴿ ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ .
وقال تعالى : ﴿ قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى ﴾ .
وقال تعالى : ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ . وروى النّعمان بن بشير عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « إنّ الدّعاء هو العبادة ، ثمّ قرأ : ﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ » الآية .