تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الثّاني : الجهل الّذي يكون عن مكابرة العقل وترك الحجّة الجليّة أيضا ، لكن المكابرة فيه أقلّ منها في الأوّل ، لكون هذا الجهل ناشئاً عن شبهة منسوبة إلى الكتاب أو السّنّة .

وهذا الجهل للفرق الضّالّة من أهل الأهواء ، وهذا الجهل لا يكون عذراً ، ولا نتركهم على جهلهم ، فإنّ لنا أن نأخذهم بالحجّة لقبولهم التّديّن بالإسلام .

الثّالث : جهل نشأ عن اجتهاد ودليل شرعيّ لكن فيما لا يجوز فيه الاجتهاد بأن يخالف الكتاب أو السّنّة المشهورة أو الإجماع .

وحكمه :أنّه وإن كان عذراً في حقّ الإثم لكن لا يكون عذراً في الحكم حتّى لا ينفذ القضاءبه.

الرّابع : جهل نشأ عن اجتهاد فيه مساغ كالمجتهدات وهو عذر ألبتّة وينفذ القضاء على حسبه .

الخامس : جهل نشأ عن شبهة وخطأ كمن وطئ أجنبيّة يظنّ أنّها زوجته ، وهذا عذر يسقط الحدّ .

السّادس : جهل لزمه ضرورة بعذر وهو أيضا عذر يسقط به الحدّ ، كجهل المسلم في دار الحرب أحكام الإسلام فلا يحدّ بالشّرب . وتفصيله في الملحق الأصوليّ .

الجهل بالتّحريم مسقط للإثم والحكم في الظّاهر :

7 - الجهل بالتّحريم مسقط للإثم والحكم في الظّاهر لمن يخفى عليه لقرب عهده بالإسلام ونحوه ، فإن علمه وجهل المرتّب عليه لم يعذر .

ولهذا لو جهل تحريم الكلام في الصّلاة عذر ، ولو علم التّحريم وجهل الإبطال بطلت .

وإن علم أنّ جنس الكلام يحرم ولم يعلم أنّ التّنحنح والمقدار الّذي نطق به محرّم فمعذور في الأصحّ . وقد ذكر الزّركشيّ هنا تنبيهين :

أحدهما : أنّ هذا لا يختصّ بحقوق اللّه تعالى ، بل يجري في حقوق الآدميّين ، ففي تعليق القاضي حسين : لو أنّ رجلاً قتل رجلاً وادّعى الجهل بتحريم القتل وكان مثله يخفى عليه ذلك يقبل قوله في إسقاط القصاص وعليه الدّية مغلّظة ، قال الزّركشيّ : وفيما قاله القاضي نظر قويّ .

الثّاني : أنّ إعذار الجاهل من باب التّخفيف لا من حيث جهله .

ولهذا قال الشّافعيّ : لو عذر الجاهل لأجل جهله لكان الجهل خيراً من العلم ، إذ كان يحطّ عن العبد أعباء التّكليف ، ويريح قلبه من ضروب التّعنيف ، فلا حجّة للعبد في جهله بالحكم بعد التّبليغ والتّمكين ، ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ .

قال القاضي حسين : كلّ مسألة تدقّ ويغمض معرفتها هل يعذر فيها العامّيّ ؟ وجهان : أصحّهما : نعم .

الجهل بمعنى اللّفظ مسقط لحكمه :

8 - إذا نطق الأعجميّ بكلمة كفر ، أو إيمان أو طلاق أو إعتاق أو بيع أو شراء أو نحوه ، ولا يعرف معناه لا يؤاخذ بشيء منه ، لأنّه لم يلتزم بمقتضاه ، ولم يقصد إليه .

وكذلك إذا نطق العربيّ بما يدلّ على هذه العبارة بلفظ أعجميّ لا يعرف معناه ، فإنّه لا يؤاخذ . نعم . لو قال الأعجميّ : أردت به ما يراد عند أهله فوجهان : أصحّهما : كذلك ، لأنّه لم يرده ، فإنّ الإرادة لا تتوجّه إلاّ إلى معلوم أو مظنون ، لأنّه إذا لم يعرف معنى اللّفظ لم يصحّ قصده . ولو نطق العربيّ بكلمات عربيّة لكنّه لا يعرف معانيها في الشّرع ، مثل قوله لزوجته : أنت طالق للسّنّة أو للبدعة ، وهو جاهل بمعنى اللّفظ ، أو نطق بلفظ الخلع أو النّكاح ، ففي القواعد للشّيخ عزّ الدّين بن عبد السّلام أنّه لا يؤاخذ بشيء ، إذ لا شعور له بمدلوله حتّى يقصده باللّفظ . قال : وكثيرا ما يخالع الجهّال من الّذين لا يعرفون مدلول لفظ الخلع ويحكمون بصحّته للجهل بهذه القاعدة .

من علم تحريم شيء وجهل ما يترتّب عليه :

9 - كلّ من علم تحريم شيء وجهل ما يترتّب عليه لم يفده ذلك ، كمن علم تحريم الزّنى والخمر وجهل وجوب الحدّ يحدّ بالاتّفاق ، لأنّه كان حقّه الامتناع ، وكذا لو علم تحريم القتل وجهل وجوب القصاص يجب القصاص ، أو علم تحريم الكلام في الصّلاة ، وجهل كونه مبطلا يبطل ، أو علم تحريم الطّيب على المحرم وجهل وجوب الفدية تجب .

الجهل عذر في المنهيّات في حقوق اللّه تعالى :

10 - الجهل عذر في حقّ اللّه تعالى في المنهيّات دون المأمورات ، والأصل فيه حديث « معاوية بن الحكم لمّا تكلّم في الصّلاة ، ولم يؤمر بالإعادة لجهله بالنّهي » .

وحديث يعلى بن أميّة : حيث « أمر صلى الله عليه وسلم أعرابيّا بنزع الجبّة عنه وهو محرم ، ولم يأمره بالفدية لجهله » .

واحتجّ به الشّافعيّ على أنّ من وطئ في الإحرام جاهلاً فلا فدية عليه . والفرق بينهما من جهة المعنى أنّ المقصود من المأمورات إقامة مصالحها . وذلك لا يحصل إلاّ بفعلها ، والمنهيّات مزجور عنها بسبب مفاسدها امتحانا للمكلّف بالانكفاف عنها ، وذلك إنّما يكون بالتّعمّد لارتكابها ، ومع الجهل لم يقصد المكلّف ارتكاب المنهيّ ، فعذر بالجهل فيه .

أمّا في حقوق الآدميّين فقد لا يعذر ، كما لو ضرب مريضاً جهل مرضه ضرباً يقتل المريض يجب القصاص في الأصحّ . بخلاف ما لو حبس من به جوع وعطش ولم يعلم بحاله مدّة لا يموت فيها الشّبعان عند الحبس فلا قصاص .

وكأنّ الفرق أنّ أمارات المرض لا تخفى بخلاف الجوع .

أحكام الجهل :

للجهل أحكام خاصّة في الفقه الإسلاميّ نجملها فيما يلي :

جهل المرأة عادتها :

11 - المرأة إذا جهلت عادتها لنسيان أو جنون ونحوهما " وهي المتحيّرة " سمّيت بذلك لتحيّرها في أمرها ، وهي المستحاضة غير المميّزة . لها ثلاثة أحوال ، لأنّها إمّا أن تكون ناسية للقدر والوقت ، أو للقدر دون الوقت ، أو بالعكس .

وفي ذلك خلاف وتفصيل يذكره الفقهاء في ( حيض ) .

الجهل بوقت الصّلاة :

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ٨٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ٨٠٥