سجود *
التّعريف :
1 - السّجود لغةً : الخضوع والتّطامن والتّذلّل والميل ووضع الجبهة بالأرض ، وكلّ من تذلّل وخضع فقد سجد ، ويقال : سجد البعير إذا خفض رأسه ليركب ، وسجدت النّخلة إذا مالت من كثرة حملها ، وسجد الرّجل إذا طأطأ رأسه وانحنى ، ومنه سجود الصّلاة وهو وضع الجبهة على الأرض ، والاسم السّجدة .
والمسجد بيت الصّلاة الّذي يتعبّد فيه ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : « جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً » .
وجمعه مساجد ، والمسجد - بفتح الجيم - موضع السّجود من بدن الإنسان ، وجمعه كذلك مساجد ، وهي جبهته وأنفه ويداه وركبتاه وقدماه .
ومن هذا قولهم : ويجعل الكافور في مساجده : أي الميّت .
قال الرّاغب الأصفهانيّ : السّجود للّه عامّ في الإنسان ، والحيوانات ، والجمادات وذلك ضربان :
الأوّل : سجود باختيار وليس ذلك إلاّ للإنسان ، وبه يستحقّ الثّواب ، ومنه قوله تعالى : ﴿ فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ﴾ .
الثّاني : سجود تسخير ، وهو للإنسان والحيوانات والنّبات والجمادات ، وإليه يشير قوله تعالى : ﴿ وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ﴾ وقوله تعالى : ﴿ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلّهِ ﴾ .
فهذا سجود تسخير ، وهو الدّلالة الصّامتة النّاطقة المنبّهة على كونها مخلوقةً ، وأنّها خلق فاعل حكيم ، وخصّ السّجود في الشّريعة بالرّكن المعروف من الصّلاة ، وما يجري مجرى ذلك من سجود القرآن وسجود الشّكر .
الحكم التّكليفيّ :
أوّلاً : سجود الصّلاة :
2 - أجمع الفقهاء على فرضيّة السّجود في الصّلاة وأنّه ركن من أركان الصّلاة بنصّ الكتاب والسّنّة والإجماع .
أمّا الكتاب فقوله تعالى : ﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ .
وأمّا السّنّة فمنها حديث المسيء صلاته قال فيه صلى الله عليه وسلم : « ثمّ اسجد حتّى تطمئنّ ساجداً » . وقوله صلى الله عليه وسلم : « أمرت أنّ أسجد على سبعة أعظم » .
كما أجمعوا على وجوب سجدتين في كلّ ركعة من ركعات الصّلاة ، سواء كانت هذه الصّلاة فرضاً أو سنّةً .
3 - واتّفقوا على أنّ أكمل السّجود هو أن يسجد المصلّي على سبعة أعضاء ، وهي الجبهة مع الأنف ، واليدان ، والرّكبتان ، والقدمان ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة - وأشار بيده إلى أنفه - والرّجلين والرّكبتين وأطراف القدمين » .
وفي رواية : « أمرت بالسّجود على سبعة أعظم اليدين ، والرّكبتين ، والقدمين ، والجبهة». ومن كمال السّجود أن ترتفع أسافله على أعاليه كاشفاً وجهه ليباشر به الأرض .
وأن يطمئنّ ساجداً لقوله صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته : « ثمّ اسجد حتّى تطمئنّ ساجداً » وقوله صلى الله عليه وسلم : « إذا سجدت فأمكن وجهك من السّجود كلّه حتّى تطمئنّ ساجداً ولا تنقر نقراً » . لما روي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : « لمّا نزلت ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم اجعلوها في ركوعكم. فلمّا نزلت ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ قال : اجعلوها في سجودكم » .
وأن يعتدل في سجوده ويرفع ذراعيه عن الأرض ، ولا يفترشهما ، وينصب القدمين ويوجّه أصابع الرّجلين واليدين إلى القبلة ، لما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « اعتدلوا في السّجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب » .
وعن عائشة رضي الله عنها « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان ينهى أن يفترش الرّجل ذراعيه افتراش السّبع » . وعن أبي حميد « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم : إذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة » .
وعن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إذا سجد أحدكم فليعتدل ولا يفترش ذراعيه افتراش الكلب » .
وعن وائل بن حجر رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم : كان إذا سجد ضمّ أصابعه وجعل يديه حذو منكبيه » .
وروي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « إذا سجد العبد سجد كلّ عضو منه فليوجّه من أعضائه إلى القبلة ما استطاع » .
وأن يجافي مرفقيه عن جنبيه لما روى أحمر بن جزء « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه حتّى نأوي له » .
وروي « أنّه كان إذا سجد لو شاءت بهمة أن تمرّ بين يديه لمرّت » .
وأن يرفع بطنه عن فخذيه لما رواه أبو حميد « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم : كان إذا سجد فرّج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه » .
وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : « أتيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من خلفه فرأيت بياض بطنه وهو مجخّ ، قد فرّج بين يديه » .
وأن يفرّج بين رجليه أي بين قدميه وفخذيه وركبتيه ، لما رواه أبو حميد في وصف صلاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « إذا سجد فرّج بين رجليه » .
وأن يضع راحتيه على الأرض مبسوطتين مضمومتي الأصابع بعضها إلى بعض مستقبلاً بهما القبلة ، ويضعهما حذو منكبيه ، لقول أبي حميد : « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وضع كفّيه حذو منكبيه » .
وقال بعضهم : يضعهما بحذاء أذنيه ، لما رواه وائل بن حجر رضي الله عنه : « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سجد فجعل كفّيه بحذاء أذنيه » وفي رواية : « ثمّ سجد ووضع وجهه بين كفّيه » .