خشوع *
التّعريف :
1 - الخشوع لغةً من يخشع : يخشع السّكون والتّذلّل .
وخشع في صلاته ودعائه ، أقبل بقلبه على ذلك ، وهو مأخوذ من خشعت الأرض إذا سكنت واطمأنّت . وخشع بصره انكسر ومنه قوله تعالى : ﴿ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ ﴾ .
قال الرّاغب الأصفهانيّ : الخشوع الضّراعة ، وأكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح ، والضّراعة أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب ، ولذلك قيل فيما روي : إذا ضرع القلب خشعت الجوارح .
وقال القرطبيّ : الخشوع هيئة في النّفس يظهر منها في الجوارح سكون وتواضع .
والتّخشّع تكلّف الخشوع ، والتّخشّع للّه ، الإخبات والتّذلّل له ، وقال قتادة : الخشوع في القلب هو الخوف وغضّ البصر في الصّلاة .
والمعنى الشّرعيّ لا يختلف عن المعنى اللّغويّ.
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الخضوع :
2 - الخضوع لغةً : التّواضع ، وخضع يخضع خضوعاً ، واختضع ذلّ واستكان ، وأخضعه الفقر أذلّه .
والخضوع : الانقياد والمطاوعة ، وفي الحديث أنّه صلى الله عليه وسلم : « نهى أن يخضع الرّجل لغير امرأته » . أي يلين لها في القول بما يطمعها منه . وخضع الإنسان خضعاً ، أمال رأسه إلى الأرض ، أو دنا منها ، وفي التّنزيل : ﴿ فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ﴾ .
والخضوع قريب من الخشوع إلاّ أنّ الخضوع يكون في البدن ، والخشوع في البدن والصّوت والبصر . وأكثر ما يستعمل الخشوع في الصّوت والخضوع في الأعناق .
وذكر أبو هلال العسكريّ أنّ الخضوع قد يكون بتكلّف ، أمّا الخشوع فلا يكون تكلّفاً ، وإنّما بخوف المخشوع له .
ب - الإخبات :
3 - الإخبات لغةً الخضوع والخشوع : قال اللّه تعالى : ﴿ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ﴾ .
قال الرّاغب : واستعمل الإخبات استعمال اللّين والتّواضع وقال أبو هلال العسكريّ : الإخبات ملازمة الطّاعة والسّكون ، فهو الخضوع المستمرّ على استواء .
الحكم التّكليفيّ :
4 - اختلف الفقهاء في حكم الخشوع في الصّلاة هل هو فرض من فرائض الصّلاة ، أو من فضائلها ومكمّلاتها ؟
فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه سنّة من سنن الصّلاة بدليل صحّة صلاة من يفكّر بأمر دنيويّ إذ لم يقولوا ببطلانها إذا كان ضابطاً أفعالها .
وعليه فيسنّ للمصلّي أن يخشع في كلّ صلاته بقلبه وبجوارحه وذلك بمراعاة ما يلي :
أ - أن لا يحضر فيه غير ما هو فيه من الصّلاة .
ب - وأن يخشع بجوارحه بأن لا يعبث بشيء من جسده كلحيته أو من غير جسده ، كتسوية ردائه أو عمامته ، بحيث يتّصف ظاهره وباطنه بالخشوع ، ويستحضر أنّه واقف بين يدي ملك الملوك الّذي يعلم السّرّ وأخفى يناجيه . وأنّ صلاته معروضة عليه .
ج - أن يتدبّر القراءة لأنّه بذلك يكمل مقصود الخشوع .
د - أن يفرغ قلبه عن الشّواغل الأخرى ; لأنّ هذا أعون على الخشوع ، ولا يسترسل مع حديث النّفس .
قال ابن عابدين : واعلم أنّ حضور القلب فراغه من غير ما هو ملابس له . والأصل في طلب الخشوع في الصّلاة قوله تعالى : ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾. فسّر عليّ رضي الله عنه الخشوع في الآية : بلين القلب وكفّ الجوارح .
وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « ما من مسلم يتوضّأ فيحسن وضوءه ثمّ يقوم فيصلّي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلاّ وجبت له الجنّة » .
وما روى أبو هريرة رضي الله عنه : « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يعبث بلحيته في الصّلاة فقالا : لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه » .
وما روى أبو ذرّ رضي الله عنه : أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إذا قام أحدكم إلى الصّلاة فإنّ الرّحمة تواجهه فلا يمسح الحصى » .
5- إذا ترك المصلّي الخشوع في صلاته ، فإنّ صلاته تكون صحيحةً عند الجمهور ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم : لم يأمر العابث بلحيته بإعادة الصّلاة مع أنّ الحديث يدلّ على انتفاء خشوعه في صلاته ، ولأنّ الصّلاة لا تبطل بعمل القلب ولو طال ، إلاّ أنّه ارتكب مكروهاً ولا يستحقّ الثّواب ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « ليس للعبد من صلاته إلاّ ما عقل » . وذهب بعض فقهاء كلّ من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الخشوع لازم من لوازم الصّلاة ، إلاّ أنّهم اختلفوا فيه :
فقال بعضهم : إنّه فرض من فرائض الصّلاة ولكن لا تبطل الصّلاة بتركه لأنّه معفوّ عنه . وقال آخرون : إنّه فرض تبطل الصّلاة بتركه كسائر الفروض . وقال بعض آخر منهم : إنّ الخشوع شرط لصحّة الصّلاة لكنّه في جزء منها فيشترط في هذا القول حصول الخشوع في جزء من الصّلاة وإن انتفى في الباقي ، وبعض أصحاب هذا القول حدّد الجزء الّذي يجب أن يقع فيه الخشوع من الصّلاة ، فقال : ينبغي أن يكون عند تكبيرة الإحرام .
6- وذكر القرطبيّ أنّه قد يكون الخشوع مذموماً ، وهو المتكلّف أمام النّاس بمطأطأة الرّأس والتّباكي كما يفعله الجهّال ، ليروا بعين البرّ والإجلال ، وذلك خدع من الشّيطان وتسويل من نفس الإنسان .