إهاب *
التّعريف :
1 - الإهاب في اللّغة : الجلد من البقر والغنم والوحش ما لم يدبغ .
وظاهر هذا أنّ جلد الإنسان لا يسمّى إهاباً .
ويطلق الفقهاء الإهاب على ما يطلقه عليه أهل اللّغة . قال في فتح القدير : الإهاب : اسم لغير المدبوغ من الجلد . والجلد أعمّ من أن يكون مدبوغاً أو غير مدبوغٍ .
واستعمال الفقهاء الجلد لما هو أعمّ من جلد الحيوان ، فيشمل جلد الإنسان .
الأحكام المتعلّقة بالإهاب :
أ - جلد المذكّى ذكاةً شرعيّةً :
2 - الحيوانات على نوعين : حيوانات مأكولة اللّحم ، وحيوانات غير مأكولة اللّحم . فالحيوانات مأكولة اللّحم إذا ذبحت الذّبح الشّرعيّ كان جلدها طاهراً بالاتّفاق ، وإن لم يدبغ . أمّا الحيوانات غير المأكولة اللّحم فهي على نوعين أيضاً : نجسة في حال الحياة ، وطاهرة . أمّا نجسة العين ، وهي الخنزير بالاتّفاق ، والكلب عند الشّافعيّة والحنابلة ، فإنّ الذّكاة لا تطهّر جلدها .
وأمّا غير نجسة العين ممّا لا يؤكل لحمه ، فقد اختلف الفقهاء في تطهير إهابها بالذّكاة ، فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه لا يطهر بالذّبح ، وحجّة هؤلاء أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « نهى عن افتراش جلود السّباع وركوب النّمور » . وهو عامّ في المذكّى وغيره ، ولأنّه ذبح لا يطهّر اللّحم فلم يطهّر الجلد ، كذبح المجوسيّ أو أيّ ذبحٍ غير مشروعٍ ، فأشبه الأصل ، ثمّ إنّ الدّبغ إنّما يؤثّر في مأكول اللّحم فكذلك ما شبّه به .
وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى طهارة الإهاب بالذّكاة الشّرعيّة ، واستدلّ هؤلاء بقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « دباغ الأديم ذكاته » ، ولأنّ الذّكاة تعمل عمل الدّباغ في إزالة الرّطوبات النّجسة ، أمّا النّهي عن افتراش جلود السّباع وركوب النّمور فلأنّ ذلك مراكب أهل الخيلاء ، أو لأنّهم كانوا يستعملونها من غير أن تدبغ .
واستثنى الحنفيّة من ذلك إهاب الحيوان الّذي لا يحتمل الدّباغة ، كإهاب الفأرة ، وإهاب الحيّة الصّغيرة - لا ثوبها - فإنّه لا تطهّره الذّكاة .
ب - إهاب الميتة :
3 - إهاب الميتة نجس بلا خلافٍ ، ولا يجوز الانتفاع به قبل الدّباغ بالاتّفاق ، إلاّ ما روي عن محمّد بن شهابٍ الزّهريّ من جواز الانتفاع بجلود الميتة قبل الدّباغ ، فإذا دبغ فقد اختلف الفقهاء في طهارته بعد الدّباغ على اتّجاهاتٍ .
4 - الاتّجاه الأوّل :
أنّه لا يطهر شيء من الجلود بالدّباغة ، وهو أشهر الرّوايتين عن الإمام أحمد ، وإحدى الرّوايتين عن الإمام مالكٍ ، قال النّوويّ : وروي هذا القول عن عمر بن الخطّاب - وليس بمحرّرٍ عنه كما حقّقناه - وعن عبد اللّه بن عمر ، وعن عائشة أمّ المؤمنين ، واستدلّ هؤلاء بما رواه عبد اللّه بن عكيمٍ من أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال قبل موته بشهرٍ : « لا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ ولا عصبٍ » .
5- الاتّجاه الثّاني :
أنّ جلود الميتة كلّها - ومنها الكلب والخنزير - تطهر بالدّباغة ظاهراً وباطناً ، وهذا المذهب مرويّ عن الإمام أبي يوسف صاحب أبي حنيفة ، ونصره الشّوكانيّ في نيل الأوطار ، واستدلّ هؤلاء بعموم الأحاديث ، إذ أنّ الأحاديث لم تفرّق بين خنزيرٍ وغيره .
6- الاتّجاه الثّالث :
يطهر بالدّباغة جلود جميع الحيوانات الميّتة إلاّ الخنزير ، ويطهر بالدّباغ ظاهر الجلد وباطنه ، ويجوز استعماله في الأشياء اليابسة والمائعة ، ولا فرق في ذلك بين مأكول اللّحم وغيره ، وهو مذهب أبي حنيفة ، واحتجّوا لذلك بقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إذا دبغ الإهاب فقد طهر » ، وأمّا استثناء الخنزير فقد كان بقوله تعالى : ﴿ أو لحمَ خِنْزيرٍ فإنّه رجْسٌ ﴾ حيث جعلوا الضّمير في ( إنّه ) عائداً إلى المضاف إليه ، وهو كلمة ( خنزيرٍ ) .
7- الاتّجاه الرّابع :
كالثّالث ، إلاّ أنّهم قالوا : إنّ الدّباغة لا تطهّر جلد الخنزير والكلب ، حيث قاسوا الكلب على الخنزير للنّجاسة ، وهو مذهب الشّافعيّ ومحمّد بن الحسن ، وحكاه النّوويّ عن عليّ بن أبي طالبٍ وابن مسعودٍ .
8- الاتّجاه الخامس :
كالثّالث إلاّ أنّهم قالوا : إنّ الدّباغة لا تطهّر جلد الخنزير والكلب والفيل ، وهو قول الإمام محمّد بن الحسن صاحب أبي حنيفة .
9- الاتّجاه السّادس :
يطهر بالدّباغة جلد مأكول اللّحم ولا يطهر غيره ، وهو مذهب الأوزاعيّ وعبد اللّه بن المبارك وأبي ثورٍ وإسحاق بن راهويه ، واستدلّ هؤلاء بقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في الأهب : « دباغها ذكاتها » أي كذكاتها ( والذّكاة ) المشبّه بها في الحديث لا يحلّ بها غير المأكول ، فكذلك ( الدّباغ ) المشبّه لا يطهّر جلد غير المأكول .
10 - الاتّجاه السّابع :
يطهر بالدّباغ ظاهر جلد الميتة دون باطنه ، وعلى هذا فإنّه يحلّ الانتفاع به في الأشياء اليابسة دون المائعة ، وهو المشهور من مذهب الإمام مالكٍ رحمه الله تعالى .
وشبيه بهذا الاتّجاه إحدى الرّوايتين عند الحنابلة ، وهي جواز الانتفاع بجلد الميتة المدبوغ في اليابسات .
ذبح الحيوان غير المأكول من أجل إهابه :
11 - اختلف الفقهاء في حلّ ذبح أو صيد غير مأكول اللّحم من أجل الانتفاع بجلده أو شعره أو ريشه .
فذهب الشّافعيّة إلى تحريم ذبح ما لا يؤكل ، كبغلٍ وحمارٍ للانتفاع بجلده ، « للنّهي عن ذبح الحيوان إلاّ لمأكلةٍ » .
وذهب الحنفيّة إلى حلّ اصطياد ما لا يؤكل لحمه ، لمنفعة جلده أو شعره أو ريشه ، لأنّ الانتفاع غاية مشروعة . وهو ما يفهم من مذهب المالكيّة في اعتبار المنفعة مسوّغاً لذكاة ما لا يؤكل . ولم نعثر على مذهب الحنابلة في ذلك .
بيع الحيوان من أجل إهابه :