تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأمّا المالكيّة ففي الشّرح الصّغير : جاز خروج متجالَّةٍ " كبيرة السّنّ " لجنازة مطلقاً ، وكذا شابّة لا تخشى فتنتها ، لجنازة من عظمت مصيبته عليها ، كأب ، وأمّ ، وزوج ، وابن ، وبنت ، وأخ ، وأخت ، أمّا من تخشى فتنتها فيحرم خروجها مطلقاً .

وقال الحنابلة : كره أن تتبع الجنازة امرأة وحكى الشّوكانيّ عن القرطبيّ أنّه قال : إذا أمن من تضييع حقّ الزّوج والتّبرّج وما ينشأ من الصّياح ونحو ذلك فلا مانع من الإذن لهنّ ، ثمّ قال الشّوكانيّ : هذا الكلام هو الّذي ينبغي اعتماده في الجمع بين الأحاديث المتعارضة .

قال الحنفيّة : وإذا كان مع الجنازة نائحة أو صائحة زجرت ، فإن لم تنزجر فلا بأس بأن يمشي معها ، لأنّ اتّباع الجنازة سنّة فلا يتركه لبدعة من غيره ، لكن يمشي أمام الجنازة كما تقدّم .

وقال الحنابلة : حرم أن يتبعها المشيّع مع منكر ، نحو صراخ ، ونوح ، وهو عاجز عن إزالته ، ويلزم القادر إزالته .

ما ينبغي أن يفعل مع الجنازة وما لا ينبغي :

اتّباع الجنازة بمبخرة أو نار :

16 - اتّفق الفقهاء على أنّ الجنازة لا تتبع بنار في مجمرة " مبخرة " ولا شمع .

وفي مراقي الفلاح : لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار ، ويكره تجمير القبر .

إلاّ لحاجة ضوء أو نحوه . لحديث أبي داود مرفوعاً : « لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار » .

الجلوس قبل وضع الجنازة :

17 - يكره لمتّبع الجنازة أن يجلس قبل وضعها للنّهي عن ذلك . فعن أبي هريرة مرفوعاً : « من تبع جنازة فلا يقعدن حتّى توضع » .

قال الطّحطاويّ : إنّ في الجلوس قبل وضعها ازدراء بها ، قال الحازميّ : وممّن رأى ذلك الحسن بن عليّ ، وأبو هريرة ، وابن عمر ، وابن الزّبير ، والأوزاعيّ ، وأهل الشّام ، وأحمد ، وإسحاق ، وذكر النّخعيّ والشّعبيّ أنّهم كانوا يكرهون أن يجلسوا حتّى توضع عن مناكب الرّجال وبه قال محمّد بن الحسن .

قال ابن حجر في الفتح : ذهب أكثر الصّحابة والتّابعين إلى استحباب القيام ، كما نقله ابن المنذر ، وهو قول الأوزاعيّ ، وأحمد ، وإسحاق ، ومحمّد بن الحسن ، والمختار عند الشّافعيّة استحباب القيام مع الجنازة حتّى توضع ، قال الحازميّ : وخالفهم في ذلك آخرون ، ورأوا الجلوس أولى ، وقال بعض السّلف : يجب القيام . فإذا وضعت الجنازة على الأرض عند القبر فلا بأس بالجلوس ، وإنّما يكره قبل أن توضع عن مناكب الرّجال .

والأفضل أن لا يجلسوا ما لم يسوّوا عليه التّراب لرواية أبي معاوية عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة « حتّى توضع في اللّحد » وخالفه الثّوريّ وهو أحفظ فقال : « في الأرض » . ونقل حنبل " من أصحاب أحمد " لا بأس بقيامه على القبر حتّى تدفن جبراً وإكراماً ، وكان أحمد إذا حضر جنازة وَلِيَها لم يجلس حتّى تدفن .

القيام للجنازة :

18 - مذهب الحنفيّة وأحمد لا يقوم للجنازة إذا مرّت به إلاّ أن يريد أن يشهدها ، وكذا إذا كان القوم في المصلّى ، وجيء بجنازة ، قال بعضهم : لا يقومون إذا رأوها قبل أن توضع الجنازة عن الأعناق وهو الصّحيح ، وما رواه مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم : « إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتّى تخلفكم أو توضع » منسوخ بما روي من طرق عن عليّ رضي الله عنه قال : « قام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثمّ قعد » ، قال الحازميّ : قال أكثر أهل العلم : ليس على أحد القيام لجنازة ، وبه قال مالك وأهل الحجاز والشّافعيّ وأصحابه ، وذهبوا إلى أنّ الأمر بالقيام منسوخ ، وكذا قال القاضي عياض .

وقال الحنابلة : كره قيام لها - أي للجنازة - لو جاءت أو مرّت به وهو جالس ، وقال في المغني : « كان آخر الأمرين من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ترك القيام للجنازة » ، والأخذ بآخر الأمرين أولى . وفي شرح مسلم : المشهور في مذهبنا أنّ القيام ليس مستحبّاً . وقالوا : هو منسوخ بحديث عليّ ثمّ قال النّوويّ : اختار المتولّي من أصحابنا أنّ القيام مستحبّ وهذا هو المختار ، فيكون الأمر به للنّدب ، والقعود لبيان الجواز ، ولا يصحّ دعوى النّسخ في مثل هذا ، لأنّ النّسخ إنّما يكون إذا تعذّر الجمع ولم يتعذّر .

قال القليوبيّ من الشّافعيّة : وهذا هو المعتمد . وحكى القاضي عياض عن أحمد ، وإسحاق ، وابن حبيب وابن الماجشون المالكيّين أنّهم قالوا : هو مخيّر .

الصّمت في اتّباع الجنازة :

19 - ينبغي لمن تبع الجنازة أن يطيل الصّمت ، ويكره رفع الصّوت بالذّكر وقراءة القرآن وغيرهما ، لما روي عن قيس بن عبادة أنّه قال : « كان أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصّوت عند ثلاثة : عند القتال ، وعند الجنازة ، والذّكر » .

وهذه الكراهة قيل : كراهة تحريم ، وقيل : ترك الأولى . فإن أراد أن يذكر اللّه تعالى ففي نفسه ، أي سرّاً بحيث يسمع نفسه ، وفي السّراج : يستحبّ لمن تبع الجنازة أن يكون مشغولاً بذكر اللّه تعالى ، أو التّفكّر فيما يلقاه الميّت ، وأنّ هذا عاقبة أهل الدّنيا ، وليحذر عمّا لا فائدة فيه من الكلام ، فإنّ هذا وقت ذكر وموعظة ، فتقبح فيه الغفلة ، فإن لم يذكر اللّه تعالى فيلزم الصّمت ، ولا يرفع صوته بالقراءة ولا بالذّكر ، ولا يغترّ بكثرة من يفعل ذلك ، وأمّا ما يفعله الجهّال من القراءة مع الجنازة من رفع الصّوت والتّمطيط فيه فلا يجوز بالإجماع . وروى ابن أبي شيبة عن المغيرة قال : كان رجل يمشي خلف الجنازة ويقرأ سورة الواقعة فسئل إبراهيم النّخعيّ عن ذلك فكرهه ، ولا يسع أحداً يقدر على إنكاره أن يسكت عنه ولا ينكر عليه ، وعن إبراهيم النّخعيّ أنّه كان ينكر أن يقول الرّجل وهو يمشي معها : استغفروا له يغفر اللّه لكم .

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ٧٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ٧٧١