وعند الشّافعيّة الأفضل أن يجمع في حمل الجنازة بين التّربيع والحمل بين العمودين ، وقد روي من فعل ابن عمر وسالم ، فإن أراد أحدهما فالحمل بين العمودين أفضل ، والتّربيع أن يحملها أربعة من جوانبها الأربعة ، والحمل بين العمودين أن يحملها ثلاثة رجال ، أحدهم يكون في مقدّمها ، يضع الخشبتين الشّاخصتين على عاتقيه والمعترضة بينهما على كتفيه ، والآخران يحملان مؤخّرها ، كلّ واحد منهما خشبة على عاتقه ، فإن عجز المتقدّم عن حمل المقدّم وحده أعانه رجلان خارج العمودين فيصيرون خمسة .
وعند الحنابلة يستحبّ التّربيع في حمله ، وهو أن يضع قائمة السّرير اليسرى المقدّمة " عند السّير " على كتفه اليمنى ، ثمّ ينتقل إلى المؤخّرة ، ثمّ يضع القائمة اليمنى على كتفه اليسرى ، ثمّ ينتقل إلى المؤخّرة ، وإن حمل بين العمودين فحسن .
وفي غاية المنتهى : كره الآجرّيّ وغيره التّربيع مع زحام ، ولا يكره الحمل بين العمودين كلّ واحد على عاتق ، والجمع بينهما أولى .
وأمّا المالكيّة فقالوا : حمل الميّت ليس له كيفيّة معيّنة ، فيجوز أن يحمله أربعة أشخاص ، وثلاثة ، واثنان بلا كراهة ، ولا يتعيّن البدء بناحية من السّرير ( النّعش ) .
13 - وذهب الحنفيّة إلى أنّه لا بأس بأن يأخذ السّرير بيده أو يضع على المنكب - يعني بعد أخذ قائمة السّرير باليد لا ابتداء كما تحمل الأثقال - .
وصرّح الشّافعيّة بحرمة حمل الجنازة على هيئة مزرية ، كحمله في قفّة ، وغرارة ، ونحو ذلك ، ويحرم كذلك حمله على هيئة يخاف منها سقوطه .
ويكره له أن يضع نصفه على المنكب ونصفه على أصل العنق ، ويكره عند الحنفيّة حمله على الظّهر والدّابّة بلا عذر .
أمّا إذا كان عذر بأن كان المحلّ بعيدا يشقّ حمل الرّجال له ، أو لم يكن الحامل إلاّ واحدا ، فحمله على ظهره فلا كراهة إذن وفاقاً للشّافعيّة .
وعند الحنابلة أيضا لا يكره حملها على دابّة لغرض صحيح ، وذكر الإسبيجابيّ من الحنفيّة أنّ الصّبيّ الرّضيع ، أو الفطيم ، أو من جاوز ذلك قليلاً ، إذا مات فلا بأس أن يحمله رجل واحد على يديه ، ويتداوله النّاس بالحمل على أيديهم ، ولا بأس بأن يحمله على يديه وهو راكب ، وإن كان كبيرا يحمل على الجنازة ، واتّفقوا على أنّه لا يكره حمل الطّفل على اليدين بل يندب ذلك عند المالكيّة ، وزاد الحنابلة أنّه لا يكره حمل جنازة الكبير بأعمدة عند الحاجة.
ويسرع بالميّت وقت المشي بلا خبب ، وحدّه أن يسرع به بحيث لا يضطرب الميّت على الجنازة ، ويكره بخبب لقوله صلى الله عليه وسلم : « أسرعوا بالجنازة » أي ما دون الخبب كما في رواية ابن مسعود ، « سألنا رسول صلى الله عليه وسلم اللّه عن المشي خلف الجنازة فقال : ما دون الخبب » قال الحافظ ابن حجر : نقل ابن قدامة أنّ الأمر فيه للاستحباب بلا خلاف بين العلماء .
وأمّا ما يحكى عن الشّافعيّ والجمهور أنّه يكره الإسراع الشّديد ، فقال الحافظ ابن حجر : مال عياض إلى نفي الخلاف فقال : من استحبّه أراد الزّيادة على المشي المعتاد ، ومن كرهه أراد الإفراط فيه كالرّمل .
وكذا يستحبّ الإسراع بتجهيزه كلّه من حين موته ، فلو جهّز الميّت صبيحة يوم الجمعة يكره تأخير الصّلاة عليه ليصلّي عليه الجمع العظيم ، ولو خافوا فوت الجمعة بسبب دفنه يؤخّر الدّفن ، وقال المالكيّة والشّافعيّة أيضاً ، بالإسراع بتجهيزه إلاّ إذا شكّ في موته ، ويقدّم رأس الميّت في حال المشي بالجنازة .
تشييع الجنازة :
14 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ تشييع الرّجال للجنازة سنّة ، لحديث البراء بن عازب : « أمرنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم باتّباع الجنائز » والأمر هنا للنّدب لا للوجوب للإجماع ، وقال الزّين بن المنير من المالكيّة : إنّ اتّباع الجنازة من الواجبات على الكفاية . وقال الشّيخ مرعي الحنبليّ : اتّباع الجنائز سنّة .
قال الحنفيّة اتّباع الجنائز أفضل من النّوافل إذا كان لجوار وقرابة ، أو صلاح مشهور ، والأفضل لمشيّع الجنازة المشي خلفها ، وبه قال الأوزاعيّ وإسحاق على ما حكاه التّرمذيّ " لحديث « الجنازة متبوعة ولا تتبع ، ليس معها من تقدّمها » إلاّ أن يكون خلفها نساء فالمشي أمامها أحسن ، ولكن إن تباعد عنها بحيث يعدّ ماشياً وحده أو تقدّم الكلّ ، وتركوها خلفهم ليس معها أحد أو ركب أمامها كره ، وأمّا الرّكوب خلفها فلا بأس به ، والمشي أفضل ، والمشي عن يمينها أو يسارها خلاف الأولى ، لأنّ فيه ترك المندوب وهو اتّباعها .
وقال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : المشي أمام الجنازة أفضل ، لما روي أنّ « رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة » .
وروي عن الصّحابة كلا الأمرين وقد قال عليّ : إنّ فضل الماشي خلفها على الّذي يمشي أمامها كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذّ . وقال الثّوريّ : كلّ ذلك في الفضل سواء .
15 - وأمّا النّساء فلا ينبغي لهنّ عند الحنفيّة أن يخرجن في الجنازة ، ففي الدّرّ يكره خروجهنّ تحريماً ، قال ابن عابدين : لقوله عليه الصلاة والسلام : « ارجعن مأزورات غير مأجورات » . ولحديث أمّ عطيّة : « نهينا عن اتّباع الجنائز ، ولم يعزم علينا » .
ولقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة : « لعلّك بلغت معهم الكدى » " المقابر " .
وأمّا عند الشّافعيّة فقال النّوويّ : مذهب أصحابنا أنّه مكروه ، وليس بحرام ، وفسّر قول أمّ عطيّة « ولم يعزم علينا » أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عنه نهي كراهية تنزيه ، لا نهي عزيمة وتحريم .