والثّاني : لأحمد في رواية عنه , وهو أنّه لا يجوز له ذلك , لأنّه توسُّع فيما لم يُبح إلّا للضّرورة .
حكم التّداوي بالميتة :
16 - اختلف الفقهاء في مشروعيّة التّداوي بالميتة إذا احتيج إلى تناولها للعلاج , بأن علم المسلم أنّ فيها شفاءً , ولم يجد دواءً غيرها , سواء أكانت منفردةً أم مخلوطةً بغيرها في بعض الأدوية المركّبة , وذلك على قولين :
أحدهما : الإباحة , وهو قول الحنفيّة والصّحيح من مذهب الشّافعيّة لأنّه صلى الله عليه وسلم « أباح للعُرنيّين شرب أبوال الإبل وألبانها للتّداوي » , قال العز بن عبد السّلام : لأنّ مصلحة العافية والسّلامة أكمل من مصلحة اجتناب النّجاسة .
والثّاني : عدم الجواز . وهو قول المالكيّة والحنابلة , لما ورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « إنّ اللّه لم يجعل شفاء أمّتي فيما حرّم عليها » . قال ابن القيّم : والمعالجة بالمحرّمات قبيحة عقلاً وشرعاً , أمّا الشّرع فللحديث السّابق , وأمّا العقل , فهو أنّ اللّه سبحانه إنّما حرّمه لخبثه , فإنّه لم يحرّم على هذه الأمّة طيّباً عقوبةً لها , كما حرّمه على بني إسرائيل بقوله : ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ , وإنّما حرّم على هذه الأمّة ما حرّم لخبثه , وتحريمه له حميّة لهم , وصيانة عن تناوله , فلا يناسب أن يطلب به الشّفاء من الأسقام والعلل , فإنّه وإن أثّر في إزالتها , لكنّه يعقب سماً أعظم منه في القلب بقوّة الخبث الّذي فيه , فيكون المداوى به قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب .
نجاسة الميتة :
17 - ذهب الفقهاء " الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة " إلى أنّ الميتة نجسة العين , وقد حرّم اللّه أكلها بقوله : ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ﴾ , ووصفها بالرّجس في قوله : ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ﴾ والرّجس في اللغة هو القذر والنّجس , وحكى الرّازيّ الإجماع على نجاسة الميتة , هذا في ميتة غير الآدميّ , أمّا ميتة الآدميّ فينظر تفصيله في مصطلح (نجاسة ) .
نجاسة إنفحة الميتة :
18 - اختلف الفقهاء في الحكم بنجاسة إنفحة الميتة من الحيوان المأكول اللّحم , حيث إنّها قد تستعمل في صناعة الجبن , وذلك على ثلاثة أقوال :
أحدها : لجمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة في ظاهر المذهب , وهو أنّها نجسة , والجبنُ المعقود بها متنجّسٌ , لا يحل أكله , لأنّ تحريم الميتة تحريم لجميع أجزائها, ومنها الإنفحة .
والثّاني : لأبي يوسف ومحمّد صاحبي أبي حنيفة , وهو أنّها إن كانت مائعةً فهي نجسة لنجاسة وعائها , وإن كانت صلبةً يغسل ظاهرها وتؤكل .
والثّالث : لأبي حنيفة وأحمد في رواية عنه رجّحها ابن تيميّة وهو أنّها طاهرة , لأنّ الصّحابة رضي الله عنهم لمّا دخلوا المدائن أكلوا الجبن , وهو يعمل بالإنفحة الّتي تؤخذ من صغار المعز , وذبائحهم ميتة .
نجاسة لبن الميتة :
19 - اختلف الفقهاء في نجاسة اللّبن الخارج من ميتة الحيوان المأكول اللّحم على قولين : أحدهما : لأبي حنيفة وأحمد في رواية عنه , وهو أنّه طاهر مأكول شرعاً , ودليلهم قوله عزّ وجلّ : ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ ﴾ , حيث إنّ اللّه سبحانه وصفه بكونه خالصاً , فلا يتنجّس بنجاسة مجراه , ووصفه بكونه سائغاً , وهذا يقتضي الحلّ , وامتنّ علينا به , والمنّة بالحلال لا بالحرام . والثّاني : لجمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة والصّاحبين من الحنفيّة وهو أنّه نجسٌ , لا يحل تناوله , وذلك لقوله تعالى : ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ﴾ حيث إنّ تحريم الميتة تحريم لجميع أجزائها , ومنها اللّبن , ولأنّه مائع في وعاء نجسٍ , فتنجّس به , أشبه ما لو حُلب في إناء نجسٍ .
نجاسة البيض الخارج من الميتة :
20 - اختلف الفقهاء في نجاسة البيض المنفصل عن ميتة مأكول اللّحم على ثلاثة أقوال : أحدها : للحنابلة والشّافعيّة في الأصحّ وابن المنذر وهو أنّ البيضة الّتي أخرجت من جوف ميتة الدّجاج إذا صلبت قشرتها فهي طاهرة , ويحل أكلها , لأنّ القشرة إذا صلّبت حجزت بين المأكول وبين الميتة , فتحل . أمّا قبل تصلب قشرتها فهي نجسة لا تؤكل .
ولأنّها ليست جزءاً من الميتة وإنّما هي مودعة فيها غير متّصلة بها فأشبهت الولد إذا خرج حيّاً من الميتة , ولأنّها خارجة من حيوان يخلق منها مثل أصلها , فأشبهت الولد الحيّ , ولا خلاف عند الشّافعيّة في أنّ ظاهر هذه البيضة نجسٌ .
والثّاني : للحنفيّة ووجه عند الشّافعيّة وهو أنّها طاهرة يجوز أكلها مطلقاً , سواء اشتدّ قشرها أو لم يشتدّ .
والثّالث : للمالكيّة واللّيث بن سعد ووجه عند الشّافعيّة , وهو أنّها نجسة مطلقاً , ولا يحل أكلها , لأنّها جزء من الميتة .
والتّفصيل في ( أطعمة ف / 81 ) .
ما يحلُّ الانتفاع به من الميتة :
21 - ذهب الفقهاء إلى جواز الانتفاع بالميتة من بعض الوجوه , وإن كان بينهم ثمّة اختلاف في ذلك , وتفصيل ذلك فيما يلي :
أ - جلد الميتة بعد الدّباغ :
22 - لا خلاف بين الفقهاء في نجاسة جلد الميتة قبل دبغه , ولكنّهم اختلفوا في طهارته بالدّباغ على خمسة أقوال :