تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأمّا حكمة تحريم أكل الميتة الّتي قتلت على هيئة غير مشروعة " أي بدون تذكية " فقد أوضحها الإمام ابن القيّم بقوله : فلأنّ اللّه سبحانه حرَّم علينا الخبائث , والخبثُ الموجب للتّحريم قد يظهر لنا وقد يخفى , فما كان ظاهراً لم ينصب عليه الشّارع علامةً غير وصفه , وما كان خفيّاً نصب عليه علامةً تدلُّ على خبثه .

فاحتقان الدّم في الميتة سبب ظاهر , وأمّا ذبيحة المجوسيّ والمرتدّ وتارك التّسمية ومن أهلّ بذبيحته لغير اللّه , فنفس ذبيحة هؤلاء أكسبت المذبوح خبثاً أوجب تحريمه , ولا ينكر أن يكون ذكر اسم الأوثان والكواكب والجنّ على الذّبيحة يُكسبها خبثاً , وذِكْرُ اسم اللّه وحده يُكسبها طيباً إلّا من قلّ نصيبه من حقائق العلم والإيمان وذوق الشّريعة .

11 - وأمّا في حالة الإلجاء والاضطرار , فقد ذهب الفقهاء إلى جواز أكل الميتة عندئذٍ , فمن أضطرّ إلى أكل الميتة إمّا بإكراه ملجئٍ من ظالم أو بجوع في مخمصة أو بفقر لا يجد معه غير الميتة , حلّ له ذلك لداعي الضّرورة , حيث جاء في التّنزيل بعد تحريم الميتة قوله تعالى : ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ , وقال سبحانه : ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

قال الزّيلعي : فظهر أنّ التّحريم مخصوص بحالة الاختيار , وفي حالة الاضطرار مباح , لأنّ الضّرورات تبيح المحظورات .

12 - واختلف الفقهاء في حدّ الضّرورة المبيحة لأكل الميتة على أقوال :

أحدها : أن يخاف على نفسه الهلاك قطعاً أو ظناً , وهو قول المالكيّة في المشهور .

الثّاني : أن يخاف على نفسه موتاً أو مرضاً مخوفاً أو زيادته أو طول مدّته , أو انقطاعه عن رفقته , أو خوف ضعف عن مشي أو ركوب , فيسمّى هذا الخائف مضطراً . وهو مذهب الشّافعيّة والحنابلة .

الثّالث : خوف التّلف على نفسه أو بعض أعضائه بتركه الأكل , ويحصل ذلك في موضع لا يجد فيه غير الميتة , أو أن يكون غيرها موجوداً , ولكنّه أكره على أكلها بوعيد يخاف منه تلف نفسه أو بعض أعضائه , وهو مذهب الحنفيّة .

هذا في ميتة غير الآدميّ , وأمّا ميتة الآدميّ فقد اختلف الفقهاء فيها , وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ( ضرورة ف / 10 ) .

13 - واختلف الفقهاء في حكم أكل الميتة عند الاضطرار على ثلاثة أقوال :

أحدها : الوجوب , فمن أضطرّ إلى أكل الميتة , وجب عليه تناولها , فإن امتنع من الأكل وصبر حتّى مات أثم , وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفيّة وقول عند المالكيّة والشّافعيّة على الأصحّ والحنابلة على الصّحيح , لقوله تعالى : ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ حيث أنّ ترك الأكل مع إمكانه في هذه الحال إلقاء بيده إلى التّهلكة , ولقوله سبحانه : ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ , ولأنّه قادر على إحياء نفسه بما أحلّه اللّه له , فلزمه كما لو كان معه طعام حلال .

الثّاني : الإباحة , وهو قول أبي يوسف من الحنفيّة وسحنون من المالكيّة وأبي إسحاق الشّيرازيّ من الشّافعيّة ووجه عند الحنابلة وعلى ذلك : فلو امتنع المضطر عن أكلها حتّى مات , فلا إثم عليه , لأنّ إباحة الأكل رخصة , فلا تجب عليه كسائر الرخص . ولأنّ له غرضاً في اجتناب النّجاسة والأخذ بالعزيمة , وربّما لم تطب نفسه بتناول الميتة , وفارق الحلال في الأصل من هذه الوجوه .

الثّالث : النّدب , وهو قول بعض الحنابلة .

وللتّفصيل أنظر ( ضرورة ف / 10 , أطعمة ف / 90 ) .

مقدار ما يباح للمضطرّ تناوله من الميتة :

14 - اختلف الفقهاء في مقدار ما يباح للمضطرّ تناوله من الميتة على ثلاثة أقوال :

الأوّل : لجمهور الفقهاء من الحنفيّة والحنابلة والشّافعيّة في الأظهر وابن الماجشون وابن حبيب من المالكيّة وغيرهم , وهو أنّه لا يجوز للمضطرّ أن يأكل من الميتة إلّا قدر ما يسد به رمقه , أي : ما يحفظ به حياته , قال الصّاوي : المراد بالرّمق : الحياة , وسدها : حفظها .

لأنّ ما أبيح للضّرورة يقدّر بقدرها , وذلك أنّ اللّه حرّم الميتة , واستثنى ما أضطرّ إليه , فإذا اندفعت الضّرورة , عادت الحرمة كحالة الابتداء .

يوضّحه أنّه بعد سدّ الرّمق غير مضطر , فزال الحكم بزوال علّته , لأنّ القاعدة المقرّرة أنّ الحكم يدور مع العلّة وجوداً وعدماً .

الثّاني : للمالكيّة على المعتمد والشّافعيّة في قول وأحمد في رواية عنه , وهو أنّه يجوز للمضطرّ أن يأكل من الميتة حتّى يشبع , لأنّ الضّرورة ترفع التّحريم , فتعود مباحةً كسائر الأطعمة , وذلك لما روى جابر بن سمرة رضي الله عنه « أنّ رجلاً نزل الحرّة , فنفقت عنده ناقة , فقالت له امرأته : أسلخها حتّى نقدّد شحمها ولحمها ونأكله , فقال : حتّى أسأل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فسأله فقال : هل عندك غنىً يغنيك ؟ قال : لا , قال : فكلوها » .

الثّالث : لعبيد اللّه بن الحسن العنبريّ : وهو أنّ له أن يأكل منها ما يسد جوعه , وذلك فوق قدر إمساك الرّمق .

تزود المضطرّ بالميتة :

10 - إذا خشي المضطر استمرار حالة الضّرورة , فهل يجوز له التّزود من الميتة ؟

اختلف الفقهاء في ذلك على قولين :

أحدهما : لجمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة في الأصحّ , وهو أنّ له ذلك , فإن استغنى عنها طرحها , وذلك لأنّه لا ضرر عليه في استصحابها ولا في إعدادها لدفع ضرورته وقضاء حاجته , ولا يأكل منها إلّا عند ضرورته .

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ١٨٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ١٨٨٥