الأوّل : للحنفيّة والشّافعيّة وأحمد في رواية عنه , وهو أنّ جلود الميتة تطهر كلها بالدّباغ إلّا الخنزير , واستثنى الشّافعيّة أيضاً جلد الكلب .
الثّاني : للمالكيّة و الحنابلة في المشهور وهو عدم طهارة جلد الميتة بالدّباغة , قال المالكيّة: لكن يجوز الانتفاع بذلك الجلد المدبوغ واستعماله مع نجاسته في اليابسات وفي الماء وحده دون سائر المائعات .
الثّالث : لأبي يوسف من الحنفيّة ولسحنون وابن عبد الحكم من المالكيّة , وهو أنّ جميع الجلود تطهر بالدّباغ حتّى الخنزير .
الرّابع : لأحمد في رواية عنه , وهو أنّه إنّما يطهر بالدّباغ جلد ميتة ما كان طاهراً حال الحياة .
الخامس : للأوزاعيّ وأبي ثور وأحمد في رواية عنه , وهو طهارة جلود ميتة الحيوان المأكول اللّحم فقط .
( ر : دباغة ف / 9 وما بعدها ) .
ب - صوف الميتة وشعرها :
23 - اختلف الفقهاء في حكم الانتفاع بصوف وشعر ووبر ميتة الحيوان المأكول اللّحم على قولين :
الأوّل : لجمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة في المذهب , وهو أنّ صوف الميتة وشعرها ووبرها طاهر يجوز الانتفاع به , وهو قول الحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيّب وإبراهيم النّخعيّ واللّيث بن سعد والأوزاعيّ وابن المنذر وغيرهم .
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى : ﴿ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾, فعمّ اللّه الجميع بالإباحة من غير فصل بين المذكّى منها وبين الميتة , ولأنّه عزّ وجلّ ذكر هذه الأشياء في معرض المنّة , والمنّة لا تقع بالنّجس الّذي لا يحل الانتفاع به . واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم في الميتة : « إنّما حُرِّمَ أَكْلُها » . قال الجصّاص : فأبان النّبي صلى الله عليه وسلم عن مراد اللّه تعالى بتحريم الميتة , فلمّا لم يكن الشّعر والصوف والعظم ونحوها من المأكول لم يتناولها التّحريم .
كما استدلوا بأنّ هذه الشّعور والأصواف والأوبار أجسام منتفع بها , لعدم تعرضها للتّعفن والفساد , فوجب أن يقضى بطهارتها كالجلود المدبوغة , ولأنّ نجاسة الميتات ليست لأعيانها , بل لما فيها من الدّماء السّائل والرطوبات النّجسة , وهي غير موجودة في هذه الأشياء .
قال القرافي : وحجّتنا أنّها طاهرة قبل الموت , فتكون طاهرةً بعده , عملاً بالاستصحاب , ولأنّ الموت لا يلحقها , إذ الموت عبارة عن معنىً يحل بعد عدم الحياة , ولم تكن الحياة في الصوف والوبر والشّعر , فيخلفها الموت فيها .
الثّاني : للشّافعيّة في المذهب وأحمد في رواية عنه , وهو أنّ صوف الميتة وشعرها ووبرها نجسٌ لا يحل الانتفاع به , وذلك لأنّها جزء من الميتة , وقوله تعالى : ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ﴾ عام في تحريم سائر أجزائها .
ج - عظم الميتة وقرنها :
24 - اختلف الفقهاء في حكم الانتفاع بعظم الميتة من الحيوان المأكول اللّحم وقرنها وظلفها وظفرها على قولين :
أحدهما : للشّافعيّة في المذهب و المالكيّة و الحنابلة , وهو أنّها نجسة لا يحل الانتفاع بها , وذلك لقوله تعالى : ﴿ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ حيث دلّ على أنّها كانت حيّةً , فصارت عند الموت ميتةً , وإذا ثبت أنّها ميتة , وجب أن يحرم الانتفاع بها لعموم قوله تعالى : ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ﴾ .
والثّاني : للحنفيّة وابن وهب من المالكيّة وأحمد في رواية عنه اختارها ابن تيميّة وهو أنّها طاهرة يحل الانتفاع بها , وذلك لأنّها أجسام منتفع بها , غير متعرّضة للتّعفن والفساد , فوجب أن يقضى بطهارتها , كالجلود المدبوغة , ولأنّ نجاسة الميتات ليست لأعيانها , بل لما فيها من الدّماء السّائلة والرطوبات النّجسة , وهي ليست موجودةً في هذه الأشياء .
د - إطعام الميتة للحيوان :
25 - اختلف الفقهاء في جواز الانتفاع بالميتة بإطعامها للدّوابّ والبهائم أو الكلب المعلّم والطّير والبازي المعلّم ونحوهم على ثلاثة أقوال :
أحدها : للحنفيّة و الشّافعيّة وأحمد في رواية عنه : وهو عدم جواز ذلك , لأنّه إذا أطعم الميتة للحيوان فقد انتفع بتلك الميتة , وقوله تعالى : ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ﴾ دال على عدم جواز الانتفاع بها .
قال الجصّاص : قال أصحابنا : لا يجوز الانتفاع بالميتة على وجهٍ , ولا يطعمها الكلاب والجوارح , لأنّ ذلك ضرب من الانتفاع بها , وقد حرّم اللّه الميتة تحريماً مطلقاً معلّقاً بعينها , مؤكّداً به حكم الحظر , فلا يجوز الانتفاع بشيء منها إلّا أن يخصّ شيء منها بدليل يجب التّسليم به .
وقال ابن قدامة : قال أحمد : لا أرى أن يطعم الكلب المعلّم الميتة , ولا الطّير المعلّم , لأنّه يضريه على الميتة , فإن أكل الكلب فلا أرى صاحبه حرجاً , ولعلّ أحمد كره أن يكون الكلب المعلّم إذا صاد وقتل أكل منه , لتضريته بإطعامه الميتة .
والثّاني : للمالكيّة و الحنابلة , وهو جواز إطعام كلبه وطيره البازي المعلّم الميتة , وكذا علف دوابّه الّتي لا يؤكل لحمها الميتة , لأنّ هذه الحيوانات ليست بمأكولة اللّحم , ولأنّه استعمال للميتة فيما يجري مجرى الإتلاف , وليس فيه ضرر .
قال الحنابلة : وكذا يباح أن يعلف ما يؤكل لحمه من الحيوان كالأنعام الأطعمة النّجسة إذا كان لا يراد ذبحها أو حلبها قريباً , لأنّه يجوز تركها في المرعى على اختيارها , ومعلوم أنّها ترعى النّجاسة , ويحرم علفها النّجاسة إذا كانت تؤكل قريباً أو تحلب قريباً , وإن تأخّر الذّبح أو الحلب .