"لأن "أما" تقطع ما بعدها عما قبلها" لكونها من الحروف التي يبتدأ بها الكلام، قاله الشاطبي: "وقرئ "وأما ثمودا فهديناهم" [فصلت: 17] بالنصب ل"ثمود" منونا وغير منون، قاله الزمخشري في كشافه1، والبيضاوي في تفسيره2، والتنوين باعتبار الحي، وعدمه باعتبار القبيلة، والنصب بلا تنوين قراءة الحسن البصري، وبالتنوين3 قراءة ابن عباس، والنصب بفعل محذوف يفسره ما بعده، "على حد: زيدا ضربته"، إلا أن الفعل المحذوف لا يقدر قبل "ثمود" كما يقدر قبل "زيد" في "زيدا ضربته" لئلا يلزم الفصل بين "أما" و"الفاء" بجملة تامة، وذلك لا يجوز، فلا يقال: وأما هدينا ثمود فهديناهم، وإنما يقدر بعد الفاء من لفظ المذكور، والأصل: وأما ثمود فهدينا هديناهم، فلما حذف الفعل المفسر بالفتح؛ دخلت الفاء على مفسره فصار "وأما ثمود فهديناهم"، فإن قلت: ما بعد فاء الجزاء لا يعلم فيما قبله، وما لا يعمل لا يفسر عاملا، قلت: الفاء ليست هنا في مركزها الأصلي فلا تكون مانعة من العمل. وشمل قوله: العاطف "الواو" و"الفاء" و"ثم" و"أو"، قاله الشاطبي.
"و "حتى" و"لكن" و"بل" كالعطف نحو: ضربت القوم حتى زيدا ضربته" و"ما رأيت زيدا لكن عمرا رأيت أباه" و"ما أكرمت زيدا بل عمرا أكرمته" وإنما قال: كالعاطف؛ لأن المعطوف بهذه الثلاثة يشترط كونه مفردا، وهو هنا جملة، فجعلت هذه الأحرف منزلة منزلة العاطف في إعطاء حكمه.
المسألة "الخامسة": مما يترجح فيه النصب "أن يتوهم في الرفع أن الفعل المشتغل بالضمير "صفة" لما قبله، "نحو: ﴿إنا كل شيء خلقناه " بقدر﴾ [القمر: 49] ؛ لأنه إذا رفع "كل"4 احتمل "خلقنا" أن يكون خبرا له، فيكون المعنى على عموم خلق كل الممكنات الموجودة بقدر خيرا كانت أو شرا كما هو مذهب أهل السنة والجماعة.
واحتمل أن يكون "خلقنا" صفة لشيء، و"بقدر" خبر "كل"، والتخصيص باللغة يفهم أن ما لا يكون موصوفا بها لا يكون بقدر، والصفة هي المخلوقية المنسوبة له، فالمخلوقية التي لا تكون منسوبة له لا تكون بقدر، فيوهم أن ثم مخلوقا لغيره تعالى، وهو مذهب المعتزلة.