41 - اتّفق الفقهاء على حرمة اللّبث في المسجد للحائض ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا أحلّ المسجد لحائض ولا جنب » ويندرج فيه الاعتكاف كما صرّح الفقهاء بذلك. واتّفقوا على جواز عبورها للمسجد دون لبث في حالة الضّرورة والعذر ، كالخوف من السّبع قياسًا على الجنب لقوله تعالى : ﴿ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾ واللّصّ والبرد والعطش ، ولأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر عائشة أن تناوله الخمرة من المسجد فقالت إنّها حائض فقال حيضتك ليست بيدك » ، وزاد الحنفيّة أنّ الأولى لها عند الضّرورة أن تتيمّم ثمّ تدخل . ويرى الحنفيّة والمالكيّة حرمة دخولها المسجد مطلقاً سواء للمكث أو للعبور ، واستثنى الحنفيّة من ذلك دخولها للطّواف .
وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى حرمة مرورها في المسجد إن خافت تلويثه ، لأنّ تلويثه بالنّجاسة محرّم ، والوسائل لها حكم المقاصد . فإن أمنت تلويثه فذهب الشّافعيّة إلى كراهة عبورها المسجد ، ومحلّ الكراهة إذا عبرت لغير حاجة ، ومن الحاجة المرور من المسجد ، لبعد بيتها من طريق خارج المسجد وقربه من المسجد .
وذهب الحنابلة إلى أنّها لا تمنع من مرورها في المسجد حينئذ . قال أحمد - في رواية ابن إبراهيم - تمرّ ولا تقعد .
كما اختلف الفقهاء في دخول الحائض مصلّى العيد . فذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى جواز ذلك، قال الحنفيّة : وكذا مصلّى الجنازة إذ ليس لهما حكم المسجد في الأصحّ ، وذهب الحنابلة إلى حرمة مصلّى العيد عليها ، لأنّه مسجد لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « ويعتزل الحيّض المصلّى » ، وأجازوا مصلّى الجنائز لها لأنّه ليس بمسجد .
الاستمتاع بالحائض :
42 - اتّفق الفقهاء على حرمة وطء الحائض في الفرج لقوله تعالى : ﴿ فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ ﴾ ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « اصنعوا كلّ شيء إلاّ النّكاح » وحكى النّوويّ الإجماع على ذلك ، واستثنى الحنابلة من به شبق لا تندفع شهوته بدون الوطء في الفرج ، ويخاف تشقّق أنثييه إن لم يطأ ، ولا يجد غير الحائض ، بأن لا يقدر على مهر امرأة أخرى .
واختلف الفقهاء في الاستمتاع بما بين السّرّة والرّكبة ، فذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة - إلى حرمة الاستمتاع بما بين السّرّة والرّكبة ، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت : « كانت إحدانا إذا كانت حائضاً فأراد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يباشرها أمرها أن تتّزر ثمّ يباشرها . قالت : وأيّكم يملك إربه كما كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يملك إربه » وعن ميمونة رضي الله عنها نحوه . وفي رواية « كان يباشر المرأة من نسائه وهي حائض إذا كان عليها إزار » ولأنّ ما بين السّرّة والرّكبة حريم للفرج ، ومن يرعى حول الحمى يوشك أن يخالط الحمى .
وقد أجاز الحنفيّة والشّافعيّة الاستمتاع بما بين السّرّة والرّكبة ، من وراء حائل . ومنعه المالكيّة .
كما منع الحنفيّة النّظر إلى ما تحت الإزار ، وصرّح المالكيّة والشّافعيّة بجوازه ولو بشهوة .
ونصّ الحنفيّة على عدم جواز الاستمتاع بالرّكبة لاستدلالهم بقوله صلى الله عليه وسلم : « ما دون الإزار » ومحلّه العورة الّتي يدخل فيها الرّكبة . وأجاز المالكيّة والشّافعيّة الاستمتاع بالسّرّة والرّكبة . وقد ذكر الحنفيّة والشّافعيّة حكم مباشرة الحائض لزوجها ، وقرّروا أنّه يحرم عليها مباشرتها له بشيء ممّا بين سرّتها وركبتها في جميع بدنه .
وذهب الحنابلة إلى جواز الاستمتاع من الحائض بما دون الفرج ، فله أن يستمتع بما بين السّرّة والرّكبة ، وهذا من مفردات المذهب .
ويستحبّ له حينئذ ستر الفرج عند المباشرة ، ولا يجب على الصّحيح من المذهب ، قال في النّكت : وظاهر كلام إمامنا وأصحابنا أنّه لا فرق بين أن يأمن على نفسه مواقعة المحظور أو يخاف ، وصوّب المرداويّ أنّه إذا لم يأمن على نفسه من ذلك حرم عليه لئلاّ يكون طريقاً إلى مواقعة المحظور .
كفّارة وطء الحائض :
43 - نصّ الشّافعيّة على أنّ وطء الحائض في الفرج كبيرة من العامد المختار العالم بالتّحريم ، ويكفر مستحلّه ، وعند الحنفيّة لا يكفر مستحلّه لأنّه حرام لغيره .
وقد أوجب الحنابلة نصف دينار ذهباً كفّارةً في وطء الحائض ، وهو من مفردات المذهب . واستحبّ الحنفيّة والشّافعيّة أن يتصدّق بدينار إن كان الجماع في أوّل الحيض وبنصفه إن كان في آخره . قال الحنفيّة : أو وسطه . لحديث : « إذا واقع الرّجل أهله وهي حائض إن كان دماً أحمر فدينار ، وإن كان دماً أصفر فنصف دينار » وعند المالكيّة لا كفّارة عليه .
وطء الحائض بعد انقطاع الحيض :
44 - ذهب جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى أنّه لا يحلّ وطء الحائض حتّى تطهر - ينقطع الدّم - وتغتسل . فلا يباح وطؤها قبل الغسل ، قالوا : لأنّ اللّه تعالى شرط لحلّ الوطء شرطين : انقطاع الدّم ، والغسل ، فقال تعالى : ﴿ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ ﴾ أي يقطع دمهنّ . ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ ﴾ أي اغتسلن بالماء ﴿ فَأْتُوهُنَّ ﴾ . وقد صرّح المالكيّة بأنّه لا يكفي التّيمّم لعذر بعد انقطاع الدّم في حلّ الوطء فلا بدّ من الغسل حتّى يحلّ وطؤها . وفرّق الحنفيّة بين أن ينقطع الدّم لأكثر مدّة الحيض وبين أن ينقطع لأقلّه ، وكذا بين أن ينقطع لتمام عادتها ، وبين أن ينقطع قبل عادتها .