تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والصّحيح - عند الحنابلة - أنّ المنفرد يقول كما يقول الإمام ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم روي عنه أنّه قال لبريدة : « إذا رفعت رأسك في الرّكوع فقل : سمع اللّه لمن حمده ، اللّهمّ ربّنا ولك الحمد ، ملء السّماء وملء الأرض وملء ما شئت بعد » وهذا عامّ في جميع أحواله ، وقد روي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك ولم تفرّق الرّواية بين كونه إماماً ومنفرداً ، ولأنّ ما شرع من القراءة والذّكر في حقّ الإمام شرع في حقّ المنفرد ، كسائر الأذكار . والمأموم يحمد - أي يقول : ربّنا ولك الحمد - فقط في حال رفعه من الرّكوع ، لما روى أنس وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهما « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم : إذا قال الإمام : سمع اللّه لمن حمده فقولوا : ربّنا ولك الحمد » .

فأمّا قول « ملء السّموات . . . » وما بعده فلا يسنّ للمأموم لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم اقتصر على أمرهم بقول : « ربّنا ولك الحمد » فدلّ على أنّه لا يشرع لهم سواه .

وللمصلّي - إماماً كان أو مأموماً أو منفرداً - قول " ربّنا لك الحمد " بلا واو لورود الخبر بذلك ، وبالواو أفضل للاتّفاق عليه من حديث ابن عمر وأنس وأبي هريرة رضي الله عنهم ، ولكونه أكثر حروفاً ، ويتضمّن الحمد مقدّراً ومظهراً ، فإنّ التّقدير ربّنا حمدناك ولك الحمد ، لأنّ الواو للعطف ، ولمّا لم يكن في الظّاهر ما يعطف عليه دلّ على أنّ في الكلام مقدّراً .

وإن شاء المصلّي قال : " اللّهمّ ربّنا لك الحمد " بلا واو ، وهو أفضل منه مع الواو وإن شاء قاله بواو . وذلك بحسب الرّوايات صحّةً وكثرةً وضدّهما .

وإذا رفع المصلّي رأسه من الرّكوع فعطس فقال : ربّنا ولك الحمد ، ينوي بذلك لما عطس وللرّفع ، فروي عن أحمد أنّه لا يجزئه ، لأنّه لم يخلصه للرّفع من الرّكوع . وقال ابن قدامة : والصّحيح أنّ هذا يجزئه ، لأنّه ذكر لا تعتبر له النّيّة وقد أتى به فأجزأه ، كما لو قاله ذاهلًا وقلبه غير حاضر ، وقول أحمد يحمل على الاستحباب لا على نفي الإجزاء حقيقةً .

ويسنّ جهر الإمام بالتّسميع ليحمد المأموم عقبه ، ولا يسنّ جهر الإمام بالتّحميد ، لأنّه لا يعقبه من المأموم شيء فلا فائدة في الجهر به . ( ر : مصطلح تحميد ) .

سادساً : الحمد بعد الصّلاة :

17 - اتّفق الفقهاء على استحباب الحمد بعد الصّلاة ، وجاءت فيه أحاديث كثيرة صحيحة منها : ما رواه الشّيخان عن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الصّلاة وسلّم قال : لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كلّ شيء قدير ، اللّهمّ لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ » وما رواه الشّيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : « أنّ فقراء المهاجرين أتوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقالوا : ذهب أصحاب الدّثور بالدّرجات العلى والنّعيم المقيم ، يصلّون كما نصلّي ، ويصومون كما نصوم ، ولهم فضل من أموال يحجّون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدّقون ، قال صلى الله عليه وسلم : ألا أعلّمكم شيئاً تدركون به من سبقكم ، وتسبقون به من بعدكم ، ولا يكون أحد أفضل منكم إلاّ من صنع ما صنعتم ؟ قالوا : بلى يا رسول اللّه ، قال : تسبّحون وتحمدون وتكبّرون خلف كلّ صلاة ثلاثاً وثلاثين » . وتفصيل هذا في مصطلح ( تحميد ) .

سابعاً : الحمد في الخطب المشروعة :

18 - الحمد مطلوب في الخطب المشروعة ، وهي عشر أو ثمان أو أدنى من ذلك أو أكثر ، على تفصيل يذكر في موطنه ، ومن ذلك :

أ - الحمد في خطبتي الجمعة :

19 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ لفظ الحمد لا يشترط في خطبة الجمعة ، فلو ذكر الخطيب اللّه تعالى على قصد الخطبة بقوله : الحمد للّه أو سبحان اللّه أو لا إله إلاّ اللّه جاز عنده في أركان الخطبة ، أمّا إذا قال ذلك لعطاس أو تعجّب فلا يجوز ، واستدلّ بقوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ . من غير فصل ، فكان الشّرط الذّكر الأعمّ . وذهب المالكيّة إلى أنّ الحمد في خطبة الجمعة مندوب .

وقال الشّافعيّة والحنابلة : من أركان خطبتي الجمعة حمد اللّه تعالى للاتّباع ، روى مسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه قال : « كانت خطبة النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يحمد اللّه ويثني عليه » . الحديث ، ولفظ الحمد متعيّن للتّعبّد به ، فلا يكفي نحو : لا إله إلاّ اللّه ولا نحو : الشّكر للّه ، ولا غير لفظ اللّه كالرّحمن ، ويكفي مصدر الحمد وما اشتقّ منه وإن تأخّر كـ " للّه الحمد " . والتّفصيل في صلاة الجمعة .

ب - الحمد في خطبتي العيدين :

20 - خطبتا العيدين كخطبتي الجمعة ، لكنّهما بعد الصّلاة في العيدين ، ويبدأ فيهما بالتّكبير ، وحكم الحمد فيهما كحكمه في خطبتي الجمعة على الخلاف والتّفصيل السّابقين .

وتفصيله في صلاة العيد .

ج - الحمد في خطبتي الاستسقاء :

21 - اختلف الحنفيّة في خطبتي الاستسقاء ، فذهب أبو حنيفة إلى أنّه لا خطبة في الاستسقاء ، وذهب أبو يوسف إلى أنّ فيه خطبتين ، وذهب محمّد إلى أنّ فيه خطبةً واحدةً . وعندهما أنّه يبدأ بالتّحميد في الخطبة .

والحمد في خطبتي الاستسقاء عند المالكيّة كالحمد في خطبتي العيد .

وقال الشّافعيّة : إنّ الحمد ركن من أركان خطبتي الاستسقاء .

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ٨٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ٨٨٢