تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

24 - ذهب جماعة من العلماء إلى أنّ السّيّئات تضاعف بمكّة كما تضاعف الحسنات . ممّن قال ذلك ابن مسعود وابن عبّاس ومجاهد وأحمد بن حنبل وغيرهم لتعظيم البلد . وسئل ابن عبّاس عن مقامه بغير مكّة فقال : مالي ولبلد تضاعف فيه السّيّئات كما تضاعف الحسنات ؟ فحمل ذلك منه على مضاعفة السّيّئات بالحرم ، ثمّ قيل : تضعيفها كمضاعفة الحسنات بالحرم . وقيل : بل كخارجه ، ومن أخذ بالعمومات لم يحكم بالمضاعفة قال تعالى : ﴿ ومن جاء بالسّيّئة فلا يجزى إلاّ مثلها ﴾ . وقال الفاسيّ : والصّحيح من مذاهب العلماء أنّ السّيّئة بمكّة كغيرها .

لا تمتّع ولا قران على أهل مكّة :

25 - اتّفق الفقهاء على أنّه لا تمتّع ولا قران على أهل مكّة ، فالمكّيّ يحرم بالحجّ مفردا فقط ولا دم عليه . لقوله تعالى : ﴿ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ﴾ . وهل يجوز لأهل الحرم أن يحرم بالتّمتّع أو القران أو لا يجوز ؟ خلاف وتفصيل ينظر في مصطلحي : ( تمتّع وقران ) .

ذبح الهدي والفدية في الحرم :

26 - الهدي هو ما يهدى إلى البيت من بهيمة الأنعام ، سواء أكان تطوّعا أم هدي تمتّع ، أم قران أم جزاء صيد . وقد ذهب الفقهاء إلى أنّ ذبحه يختصّ بالحرم لقوله تعالى : ﴿ هديا بالغ الكعبة ﴾ وقوله : ﴿ ولا تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه ﴾ وقوله : ﴿ ثمّ محلّها إلى البيت العتيق ﴾ . ويجوز الذّبح في أيّ موضع شاء من الحرم ولا يختصّ بمنى ﴿ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : نحرت هاهنا ومنى كلّها منحر وكلّ فجاج مكّة طريق ومنحر ﴾ والأفضل للحاجّ أن يذبح بمنى ، وللمعتمر أن يذبح بمكّة . وهذا في غير المحصر ، أمّا المحصر ففي ذبحه خارج الحرم أو داخله خلاف ينظر في ( إحصار ) . وأمّا ما يذبح في فدية الأذى فقد اختلف فيه الفقهاء ، ففي قول الحنفيّة والمالكيّة : يجب ذبحه بمكّة وهو الأظهر عند الشّافعيّة ورواية عن أحمد . وحكم الطّعام كحكم الفدية في أنّه يوزّع على مساكين الحرم . وأمّا الصّيام فيجوز فعله في الحرم وخارجه . وللتّفصيل انظر ( فدية ) ( وصيام ) . وفي بيان أنواع الهدي ووقت ذبحه ، ومن يتصدّق عليهم بالهدي تفصيل وخلاف ينظر في مصطلحات : ( حجّ ، هدي ، فدية ، نذر ) ، ويراجع أيضا مصطلح : ( إحصار ف 38 ، 39 ) .

تغليظ الدّية في الحرم :

27 - يرى بعض الفقهاء تغليظ الدّية على الجناية الّتي ترتكب في الحرم ، فقد قضى عمر بن الخطّاب رضي الله عنه فيمن قتل في الحرم بالدّية وثلث الدّية . وقال بعضهم لا تغلّظ الدّية في الحرم . وفي كيفيّة تغليظها خلاف ، تفصيله في مصطلح : ( دية ) . هذا ، وهناك أحكام أخرى بعضها يختصّ بالمسجد الحرام ، كجواز قصده بالزّيارة وشدّ الرّحال إليه ، وتقدّم الإمام على المأموم ، وعدم كراهة الصّلاة فيه في الأوقات المكروهة ، فصّلها الزّركشيّ في إعلام السّاجد . وينظر تفصيلها أيضا في مصطلح : ( المسجد الحرام ) .

ثانيا : حرم المدينة :

28 - ذهب جمهور الفقهاء ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) إلى أنّ المدينة المنوّرة حرم ، له حدود وأحكام ، تختلف عن سائر البقاع ، كما تختلف عن الحرم المكّيّ في بعض الأحكام ، وذلك لما ورد في الحديث أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : ﴿ إنّي حرّمت المدينة كما حرّم إبراهيم مكّة ، وإنّي دعوت في صاعها ومدّها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكّة ﴾ وعلى ذلك فلا يحلّ صيدها ولا يعضد شجرها . أمّا الحنفيّة فقالوا : ليس للمدينة المنوّرة حرم ، ولا يمنع أحد من أخذ صيدها وشجرها . وإنّما أراد النّبيّ صلى الله عليه وسلم بحديثه المتقدّم بقاء زينتها ، كما ورد في حديث آخر من قوله صلى الله عليه وسلم : ﴿ لا تهدموا الآطام فإنّها زينة المدينة ﴾ . ويدلّ على حلّ صيدها حديث أنس قال : ﴿ كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم أحسن النّاس خلقا ، وكان لي أخ يقال له أبو عمير ، قال أحسبه فطيما ، وكان إذا جاء قال : يا أبا عمير ما فعل النّغير ؟ ﴾ ونغير بالغين المعجمة طائر صغير كان يلعب به .

حدود الحرم المدنيّ :

29 - يرى الجمهور أنّ حدّ حرم المدينة ما بين ثور إلى عير ، لما ورد من حديث عليّ رضي الله عنه مرفوعا : ﴿ حرم المدينة ما بين ثور إلى عير ﴾ . وورد في حديث آخر ﴿ أنّ الحرم ما بين لابتي المدينة ﴾ ، ففي حديث أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : ﴿ ما بين لابتيها حرام ﴾ ، واللّابة الحرّة ، وهي أرض تركبها حجارة سود . وورد في رواية : ﴿ ما بين جبليه ﴾ .. وقدره بريد في بريد أي اثنا عشر ميلا من كلّ جهة .

ما يختلف فيه الحرم المدنيّ عن الحرم المكّيّ :

30 - يختلف الحرم المدنيّ عن الحرم المكّيّ عند من يقول بوجود حرم للمدينة في بعض الأحكام منها ما يلي :

أ - يجوز أخذ ما تدعو إليه الحاجة من شجر المدينة للرّحل ، وآلة الحرث ، كآلة الدّياس والجذاذ ، والحصاد ، والعارضة لسقف المحمل ، والمساند من القائمتين ، والعارضة بينهما ونحو ذلك ، لما روى جابر رضي الله عنه ﴿ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا حرّم المدينة قالوا : يا رسول اللّه إنّا أصحاب عمل ، وأصحاب نضح ، وإنّا لا نستطيع أرضا غير أرضنا فرخّص لنا ، فقال : القائمتان والوسادة والعارضة والمسند ، أمّا غير ذلك فلا يعضد ﴾ .

ب - يجوز أخذ ما تدعو الحاجة إليه من حشيشها للعلف ، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عليّ : ﴿ ولا يصلح أن يقطع منها شجرة إلاّ أن يعلف رجل بعيره ﴾ . ولأنّ المدينة يقرب منها شجر وزرع ، فلو منعنا من احتشاشها أفضى إلى الحرج ، بخلاف حرم مكّة ففيه تفصيل تقدّم بيانه .

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ٨٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ٨٦٥