ويعرف الزّوال بأن تغرز خشبةً مستويةً في أرضٍ مستويةٍ ، والشّمس لا زالت في المشرق ، فما دام ظلّ الخشبة ينتقص ، فالشّمس قبل الزّوال ، فإذا لم يكن للخشبة ظلّ ، أو تمّ نقص الظّلّ ، بأن كان الظّلّ أقلّ ما يكون ، فالشّمس في وسط السّماء ، وهو الوقت الّذي تحظر فيه الصّلاة ، فإذا انتقل الظّلّ من المغرب إلى المشرق ، وبدأ في الزّيادة ، فقد زالت الشّمس من وسط السّماء ودخل وقت الظّهر .
والدّليل على أنّ أوّل وقت الظّهر الزّوال ، حديث إمامة جبريل المتقدّم .
وأمّا نهاية وقت الظّهر فجمهور الفقهاء ، ومعهم الصّاحبان ، إلى أنّ آخر وقت الظّهر بلوغ ظلّ الشّيء مثله سوى فيء الزّوال ، لحديث إمامة جبريل المتقدّم وفيه : « أنّه صلّى به الظّهر في اليوم الثّاني حين صار ظلّ كلّ شيءٍ مثله » .
وأمّا عند أبي حنيفة : حين يبلغ ظلّ الشّيء مثليه سوى فيء الزّوال : والمراد بفيء الزّوال : الظّلّ الحاصل للأشياء حين تزول الشّمس عن وسط السّماء ، وسمّي فيئاً ، لأنّ الظّلّ رجع إلى المشرق بعد أن كان في المغرب ، ويختلف ظلّ الزّوال طولاً وقصراً وانعداماً باختلاف الأزمنة والأمكنة . وكلّما بعد المكان من خطّ الاستواء كلّما كان فيء الزّوال أطول ، وهو في الشّتاء أطول منه في الصّيف .
واستدلّ أبو حنيفة على أنّ آخر وقت الظّهر بلوغ ظلّ الشّيء مثليه سوى فيء الزّوال ، بما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « إنّما بَقَاؤكم فيما سَلَفَ قَبْلَكُم من الأمم كان بين صلاةِ العصرِ إلى غروبِ الشّمسِ ، أوتِيَ أهلُ التّوراة التّوراةَ فعملوا حتّى انتصفَ النّهارَ عَجَزوا ، فأُعْطُوا قيراطاً قيراطاً . ثمّ أُوتيَ أهلُ الإنجيل الإنجيلَ فعَمِلُوا إلى صلاةِ العصرِ ثمّ عَجَزُوا فأعطُوا قِيراطاً قِيراطاً ، ثمّ أُوتينا القرآنَ ، فعملْنا إلى غُروب الشّمس ، فأُعْطِينا قِيراطين قيراطين ، فقال أهل الكتابين : أَيْ ربّنَا أعطيتَ هؤلاءِ قيراطين قيراطين ، وأُعطَيتنا قيراطاً قيراطاً ، ونحن كنّا أكثر عملاً ، قال : قال اللّه عزّ وجلّ : هل ظَلَمْتُكم من أجْرِكم من شيءٍ ، قالوا : لا . قال : فهو فضلي أوتيه من أشاء » دلّ الحديث على أنّ مدّة العصر أقلّ من مدّة الظّهر ولا يكون ذلك إلاّ إذا كان آخر وقت الظّهر المثلين .
واستدلّ لأبي حنيفة كذلك بحديث أبي سعيدٍ قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « أبردوا بالظّهر ، فإنّ شدّة الحرّ من فيح جهنّم » والإبراد لا يحصل إلاّ إذا كان ظلّ كلّ شيءٍ مثليه ، لا سيّما في البلاد الحارّة كالحجاز .
والمشهور في مذهب الشّافعيّ أنّ الظّهر له وقت فضيلةٍ وهو أوّله ، ووقت اختيارٍ إلى آخره ، ووقت عذرٍ لمن يجمع بين الظّهر والعصر جمع تأخيرٍ ، فيصلّي الظّهر في وقت العصر عند الجمع . وذهب مالك إلى أنّ الوقت الاختياريّ للظّهر إلى بلوغ ظلّ كلّ شيءٍ مثله ، ووقته الضّروريّ حين الجمع بين الظّهر والعصر جمع تأخيرٍ ، فيصلّي الظّهر بعد بلوغ الظّلّ مثله ، إلى ما قبل غروب الشّمس بوقتٍ لا يسع إلاّ صلاة العصر .
مبدأ وقت العصر ونهايته :
9 - أمّا مبدأ وقت العصر فهو عند الصّاحبين وجمهور الفقهاء من حين الزّيادة على المثل ، وعند أبي حنيفة من حين الزّيادة على المثلين وذهب أكثر المالكيّة إلى تداخل وقتي الظّهر والعصر ، فلو أنّ شخصاً صلّى الظّهر عند صيرورة ظلّ كلّ شيءٍ مثله ، وآخر صلّى العصر في هذا الوقت كانت صلاتهما أداءً ، وخالف في هذا ابن حبيبٍ وابن العربيّ .
استدلّ أبو حنيفة بمفهوم الحديث الّذي تقدّم ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم « إنّ مَثَلَكم ومثل من قبلكم من الأمم ... » ، وقال أبو حنيفة : إذا كان مفهوم الحديث أنّ مدّة العصر أقلّ من مدّة الظّهر ، فواجب أن يكون أوّل وقت العصر بعد الزّيادة على المثلين .
واستدلّ الجمهور بحديث إمامة جبريل المتقدّم ، وفيه « أنّه صلّى بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم العصر حين صار ظلّ كلّ شيءٍ مثله » ، أي بعد الزّيادة على المثل ، وإنّما قالوا ذلك دفعاً للتّعارض في الحديث ، لأنّ ظاهر الحديث يدلّ على أنّه صلّى به العصر حين صار ظلّ كلّ شيءٍ مثله في اليوم الأوّل ، وهو يتعارض مع صلاته الظّهر في اليوم الثّاني حين صار ظلّ كلّ شيءٍ مثله ، الأمر الّذي يدلّ على تداخل وقتي الظّهر والعصر ، فدفعاً لهذا التّعارض قالوا : إنّه صلّى به العصر حين صار ظلّ كلّ شيءٍ مثله ، أي بعد الزّيادة على المثل . واستدلّ المالكيّة بظاهر حديث إمامة جبريل ، وفيه : « أنّه صلّى به العصر في اليوم الأوّل في الوقت الّذي صلّى به الظّهر في اليوم الثّاني » ، الأمر الّذي يدلّ على تداخل الوقتين .
10 - أمّا نهاية وقت العصر عند أبي حنيفة فما لم تغب الشّمس ، وهو مذهب الحنابلة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « من أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشّمس فقد أدرك العصر » ويضيف الحنابلة : أنّ وقت الاختيار ينتهي بمبدأ اصفرار الشّمس ، وفي روايةٍ : حين يصير ظلّ كلّ شيءٍ مثليه .
وذهب المالكيّة في إحدى الرّوايات عنهم إلى أنّ آخر وقتها ما لم تصفرّ الشّمس ، لحديث :
« إذا صلّيتم العصر فإنّه وقتٌ إلى أن تَصْفَرَّ الشّمس » .