وإذا بلغ غير الرشيد ، وكان عاقلاً كملت أهليته ، وارتفعت الولاية عند أبي حنيفة ، إلا أنه لا تسلم إليه أمواله ، بل تبقى في يد وليه أو وصيه حتى يثنت رشده بالفعل ، أو يبلغ خمساً وعشرين سنة ، فإذا بلغ هذا السن سلمت إليه أمواله ، ولو كان مبذراً لا يحسن التصرف ، لأن منع المال عنه على سبيل الاحتياط والتأديب ، وليس على سبيل الحجر عليه ، لأن أبا حنيفة لا يرى الحجر على السفيه ، والإنسان بعد بلوغه هذه السن وصلاحيته لأن يكون جداً لا يكون أهلاً للتأديب .
وقال المالكية والشافعية والحنابلة ، وهو قول عند أبي يوسف ومحمد من الحنفية : إن الشخص إذا بلغ غير رشيد كملت أهليته ، ولكن لا ترتفع الولاية عنه ، وتبقى أمواله تحت يد وليه أو وصيه حتى يثبت رشده ، لقول الله تعالى : ﴿ ولا تُؤْتُوا السفهاءَ أموالَكم التي جَعَلَ اللهُ لكم قِياماً ، وارْزُقُوهم فيها واكْسُوهم ، وقولُوا لهم قولاً معروفاً ، وابْتَلُوا اليتامى حتى إذا بَلَغُوا النكاحَ ، فإنْ آنَسْتُم منهم رُشْداً فادْفَعُوا إليهم أَمْوالَهم ﴾ فإنه منع الأولياء والأوصياء من دفع المال إليهم إلى السفهاء ، وناط دفع المال إليهم بتوافر أمرين : البلوغ والرشد ، فلا يجوز أن يدفع المال إليهم بالبلوغ مع عدم الرشد .
أما إذا بلغ الشخص رشيداً ، ثم طرأ السفه عليه بعد ذلك ، فسيأتي الكلام عنه في هذا البحث ، بين عوارض الأهلية .
عوارض الأهليّة :
25 - العوارض : جمع عارضٍ أو عارضةٍ ، والعارض في اللّغة معناه : السّحاب ، ومنه قوله تعالى : ﴿ فلمّا رَأوْهُ عارضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالوا هَذا عارضٌ مُمْطِرنا ﴾ .
وأمّا العوارض في الاصطلاح فمعناها : أحوال تطرأ على الإنسان بعد كمال أهليّة الأداء ، فتؤثّر فيها بإزالتها أو نقصانها ، أو تغيّر بعض الأحكام بالنّسبة لمن عرضت له من غير تأثيرٍ في أهليّته .
أنواع عوارض الأهليّة :
26 - عوارض الأهليّة نوعان : سماويّة ومكتسبة :
فالعوارض السّماويّة : هي تلك الأمور الّتي ليس للعبد فيها اختيار ، ولهذا تنسب إلى السّماء ، لنزولها بالإنسان من غير اختياره وإرادته ، وهي : الجنون ، والعته ، والنّسيان ، والنّوم ، والإغماء ، والمرض ، والرّقّ ، والحيض ، والنّفاس ، والموت .
والمكتسبة : هي تلك الأمور الّتي كسبها العبد أو ترك إزالتها ، وهي إمّا أن تكون منه أو من غيره ، فالّتي تكون منه : الجهل ، والسّكر ، والهزل ، والسّفه ، والإفلاس ، والسّفر ، والخطأ ، والّذي يكون من غيره الإكراه .
وفيما يلي ما يتعلّق بهذه العوارض إجمالاً ، مع إحالة التّفصيل إلى العناوين الخاصّة بها .
العوارض السّماويّة :
أوّلاً : الجنون :
27 - الجنون في اللّغة مأخوذ من : أجنّه اللّه فجنّ ، فهو مجنون ، بالبناء للمفعول .
وأمّا عند الأصوليّين فإنّه : اختلال للعقل يمنع من جريان الأفعال والأقوال على نهج العقل . والجنون يؤثّر في أهليّة الأداء ، فهو مسقط للعبادات كالصّلاة والصّوم والحجّ .
وفي زكاة مال المجنون خلاف ، مع مراعاة الفرق بين الجنون المطبق وغيره .
وأمّا المعاملات ، فحكمه فيها حكم الصّبيّ غير المميّز ، فلا يعتدّ بأقواله لانتفاء تعقّله للمعاني .
وأمّا أهليّة الوجوب ، فلا يؤثّر فيها الجنون ، فإنّ المجنون يرث ويملك لبقاء ذمّته ، والمتلفات بسبب أفعاله مضمونة في ماله كالصّبيّ الّذي لم يصل إلى سنّ التّمييز .
وتفصيل الأحكام الخاصّة بالجنون تنظر في مصطلح : ( جنونٍ ) .
ثانياً : العته :
28 - العته في اللّغة : نقصان العقل من غير جنونٍ أو دهشٍ .
وفي الاصطلاح : آفة توجب خللاً في العقل ، فيصير صاحبها مختلط الكلام ، فيشبه بعض كلامه كلام العقلاء ، وبعضه كلام المجانين .
والمعتوه في تصرّفاته كالصّبيّ المميّز ، فتثبت له أهليّة الأداء القاصرة ، إذ لا فرق بينه وبين الصّبيّ كما جاء في التّلويح ، إلاّ في مسألةٍ واحدةٍ وهي : أنّ امرأة المعتوه إذا أسلمت لا يؤخّر عرض الإسلام عليه ، كما لا يؤخّر عرضه على وليّ المجنون بخلاف الصّبيّ ، والفرق بينهما واضح ، فإنّ الصّبا مقدّر بخلاف العته والجنون .
والتّفصيل في مصطلح : ( عتهٍ ) .
ثالثاً : النّسيان :
29 - النّسيان في اللّغة مشترك بين معنيين :
أحدهما : ترك الشّيء على ذهولٍ وغفلةٍ ، وهو خلاف التّذكّر .
وثانيهما : التّرك عن تعمّدٍ ، ومنه قوله تعالى : ﴿ ولا تَنْسَوُا الفضلَ بينكم ﴾ .
وفي الاصطلاح : عدم استحضار صورة الشّيء في الذّهن وقت الحاجة إليه .
والنّسيان لا يؤثّر في أهليّة الوجوب ، ولا يؤثّر أيضاً في أهليّة الأداء لكمال العقل ، ومع ذلك فإنّ النّسيان عذر في حقوق اللّه تعالى في حقّ الإثم وعدمه ، لقوله صلى الله عليه وسلم :
« وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان ... » وللنّسيان أحكام تفصيلها في مصطلح : ( نسيانٍ ) .
رابعاً : النّوم :
30 - النّوم : غشية ثقيلة تهجم على القلب فتقطعه عن المعرفة بالأشياء .
وفي الاصطلاح : فتور يعرض مع قيام العقل يوجب العجز عن إدراك المحسوسات والأفعال الاختياريّة واستعمال العقل . والنّوم لا ينافي أهليّة الوجوب لعدم إخلاله بالذّمّة ، إلاّ أنّه يوجب تأخير توجّه الخطاب بالأداء إلى حال اليقظة ، لأنّه في حال النّوم عاجز عن الفهم فلا يناسب أن يتوجّه إليه الخطاب حينئذٍ ، فإذا انتبه من النّوم أمكنه الفهم ، ولهذا فإنّ النّائم مطالب بقضاء ما فاته من الصّلوات في أثناء نومه ، وأمّا عبارات النّائم من الأقارير وغيرها فهي باطلة ، ولا يعتدّ بها . وتفصيل ذلك كلّه محلّه مصطلح : ( نومٍ ) .
خامساً : الإغماء :