قال ابن عرفة من المالكيّة : من تنفّل في محمله فقيامه تربّع ، ويركع كذلك ويداه على ركبتيه فإذا رفع رفعهما ، ويومئ بالسّجود وقد ثنى رجليه ، فإن لم يقدر أومأ متربّعاً .
ومن افتتح التّطوّع راكباً ، ثمّ نزل في أثناء الصّلاة فإنّه يستقبل القبلة ويبني على ما سبق من صلاته ويتمّها بالأرض راكعاً وساجداً ، قال المالكيّة : إلاّ على قول من يجوّز الإيماء في النّافلة للصّحيح غير المسافر فإنّه يتمّ صلاته على دابّته بالإيماء إذا دخل المدينة .
وقال أبو يوسف من الحنفيّة : يستقبل صلاته ولا يبني على ما سبق ؛ لأنّ أوّل صلاته بالإيماء وآخرها بركوع وسجود ؛ فلا يجوز بناء القويّ على الضّعيف .
وروي عن محمّد : أنّه إذا نزل بعد ما صلّى ركعةً استقبل ؛ لأنّ ما قبل أداء الرّكعة مجرّد تحريمة وهي شرط ، فالشّرط المنعقد للضّعيف كان شرطاً للقويّ ، وأمّا إذا صلّى ركعةً فقد تأكّد فعل الضّعيف فلا يبنى عليه القويّ .
13 - وإن ركب ماش وهو في صلاة نفل أتمّه راكباً ، كما يقول الحنابلة وزفر من الحنفيّة . وعند الحنفيّة : لا يبني ؛ لأنّ الرّكوب عمل كثير . ومن افتتح التّطوّع خارج المصر ، ثمّ دخل المصر ، أو نوى النّزول ببلد دخله نزل عن دابّته لانقطاع سفره وأتمّ صلاته مستقبلاً القبلة . وهذا عند الشّافعيّة والحنابلة ، وهو ما عليه الأكثر عند الحنفيّة ، وقيل : يتمّ على الدّابّة بإيماء .
ولو ركب المسافر النّازل وهو في صلاة نافلة بطلت صلاته ؛ لأنّ حالته إقامة فيكون ركوبه فيها كالعمل الكثير من المقيم ، وقال محمّد من الحنفيّة : يبني على صلاته .
الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم *
1 - المقصود بالصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم : الدّعاء له بصيغة مخصوصة والتّعظيم لأمره . قال القرطبيّ : الصّلاة على النّبيّ من اللّه : رحمته ، ورضوانه ، وثناؤه عليه عند الملائكة ، ومن الملائكة : الدّعاء له والاستغفار ، ومن الأمّة : الدّعاء له ، والاستغفار ، والتّعظيم لأمره .
الأحكام المتعلّقة بالصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم :
2 - لا خلاف بين الفقهاء في مشروعيّة الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم، للأمر بها، قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾ قال ابن كثير في تفسير الآية : المقصود من هذه الآية : أنّ اللّه - سبحانه وتعالى- أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيّه عنده في الملأ الأعلى ؛ بأنّه يثني عليه عند الملائكة المقرّبين ، وأنّ الملائكة تصلّي عليه . ثمّ أمر جلّ شأنه بالصّلاة والتّسليم عليه ؛ ليجتمع الثّناء عليه من أهل العاَلَمين : السّفليّ والعلويّ جميعاً ، وجاءت الأحاديث المتواترة عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالأمر بالصّلاة عليه ، وكيفيّة الصّلاة عليه .
فقد روى البخاريّ عند تفسير هذه الآية : « قيل لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم : يا رسول اللّه ، أمّا السّلام عليك فقد عرفناه ، فكيف نصلّي عليك ؟ قال : قولوا : اللّهمّ صلّ على محمّد، وعلى آل محمّد ، كما صلّيت على آل إبراهيم ، إنّك حميد مجيد ، اللّهمّ بارك على محمّد ، وعلى آل محمّد ، كما باركت على آل إبراهيم ، إنّك حميد مجيد » .
الحكم التّكليفيّ :
3 - ذهب جمهور الفقهاء إلى وجوب الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم في مواطن ، واستحبابها في مواطن . واختلفوا في مواطن الوجوب .
4 - فقال الحنفيّة ، والمالكيّة : إنّ الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم في التّشهّد الأخير سنّة ، وليس بواجب . وقالوا : تجب الصّلاة عليه صلى الله عليه وسلم في العمر مرّةً للأمر بها في قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾ .
وقال الطّحاويّ : تجب كلّما ذُكِرَ صلى الله عليه وسلم .
واستدلّوا على عدم الوجوب في التّشهّد الأخير « بقوله صلى الله عليه وسلم - في تعليم التّشهّد - بعد أن ذكر ألفاظ التّشهّد : إذا قلت هذا ، أو فعلت ، فقد تمّت صلاتك ، إن شئت أن تقوم فقم ، وإن شئت أن تقعد فاقعد » .
وقالوا : وإلى هذا ذهب أهل المدينة ، وأهل الكوفة ، وجملة من أهل العلم .
أمّا الصّلاة عليه صلى الله عليه وسلم في التّشهّد الأوّل فليس بمشروع عندهم ، وبه قال الحنابلة فإن أتى بالصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم عامداً في التّشهّد الأوّل كره ، وتجب عليه الإعادة . أو ساهياً وجبت عليه سجدتا السّهو عند الحنفيّة . وتفسد صلاته عند المالكيّة إن تعمّد بإتيانها .
5- وقال الشّافعيّة والحنابلة : إنّها تجب في التّشهّد الأخير من كلّ صلاة ، وبعد التّكبيرة الثّانية في صلاة الجنازة ، وفي خطبتي الجمعة ، والعيدين ، ولا تجب خارج ذلك .