118 - وَاخْتَلَفَتْ رِوَايَاتُ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي يُحْكَمُ بَعْدَهَا بِمَوْتِ الْمَفْقُودِ . فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ أَقْرَانِهِ فِي بَلَدِهِ , وَقِيلَ أَقْرَانُهُ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ . لَكِنْ الْأَوَّلُ أَصَحُّ , لِأَنَّ فِي الْعَمَلِ بِالْقَوْلِ الثَّانِي حَرَجًا عَظِيمًا , كَمَا أَنَّ الْأَعْمَارَ تَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِ الْأَقَالِيمِ . وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُدَّةَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً مِنْ يَوْمِ وِلَادَةِ الْمَفْقُودِ . وَقَالَ مُحَمَّدٌ : مِائَةٌ وَعَشْرُ سِنِينَ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : مِائَةٌ وَخَمْسُ سِنِينَ . وَرُوِيَ عَنْهُ مِائَةُ سَنَةٍ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : تِسْعُونَ سَنَةً , لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَيْهَا فِي غَايَةِ النُّدْرَةِ فَلَا تُنَاطُ بِهَا الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ , لِأَنَّهَا تُبْنَى عَلَى الْأَغْلَبِ . قَالَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ : وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى . وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهَا سَبْعُونَ سَنَةً , لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ فِي أَعْمَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ﴿ أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ ﴾ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَالُ الْمَفْقُودِ مَوْقُوفٌ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ . وَنُقِلَ عَنْ شَرْحِ الْفَرَائِضِ الْعُثْمَانِيَّةِ أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ لَمْ يُقَدِّرْ فِي ذَلِكَ تَقْدِيرًا , وَفَوَّضَ الْمُدَّةَ إلَى اجْتِهَادِ الْقَاضِي فِي كُلِّ عَصْرٍ يَحْكُمُ بِمَوْتِهِ فِي أَيِّ مُدَّةٍ يَرَى فِيهَا مَصْلَحَةً بِاجْتِهَادِهِ , وَيَقْسِمُ مَالَهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ الْمَوْجُودِينَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى . وَلَمْ يُحَدِّدْ الْمَالِكِيَّةُ مُدَّةً مُعَيَّنَةً بَلْ قَالُوا : ( لَا يَقْسِمُ وَرَثَةُ الْمَفْقُودِ مَالَهُ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ مِنْ الزَّمَنِ مَا لَا يَحْيَا إلَى مِثْلِهِ ) . وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ , فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ : ( مَنْ أُسِرَ أَوْ فُقِدَ وَانْقَطَعَ خَبَرُهُ , تُرِكَ مَالُهُ حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِمَوْتِهِ , أَوْ تَمْضِيَ مُدَّةٌ يُظَنُّ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ فَوْقَهَا , وَلَا تَتَقَدَّرُ بِشَيْءٍ عَلَى الصَّحِيحِ , فَيَجْتَهِدُ الْقَاضِي وَيَحْكُمُ بِمَوْتِهِ ) وَقِيلَ تُقَدَّرُ ( بِسَبْعِينَ وَبِثَمَانِينَ وَبِتِسْعِينَ وَبِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ ) . 119 - أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا : ( إنَّ الْمَفْقُودَ نَوْعَانِ : النَّوْعُ الْأَوَّلُ : مَنْ كَانَ الْغَالِبُ مِنْ حَالِهِ الْهَلَاكَ , وَهُوَ مَنْ يُفْقَدُ فِي مُهْلِكَةٍ كَاَلَّذِي يُفْقَدُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ , أَوْ فِي مَفَازَةٍ يَهْلَكُ فِيهَا النَّاسُ , أَوْ يُفْقَدُ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ , أَوْ يَخْرُجُ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ , أَوْ لِحَاجَةٍ قَرِيبَةٍ فَلَا يَرْجِعُ , وَلَا يُعْلَمُ خَبَرُهُ , فَهَذَا يُنْتَظَرُ بِهِ أَرْبَعُ سِنِينَ , فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ خَبَرٌ قُسِمَ مَالُهُ , وَاعْتَدَّتْ امْرَأَتُهُ عِدَّةَ الْوَفَاةِ , وَحَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ . وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ , وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ . وَذَكَرَ الْقَاضِي : أَنَّهُ لَا يُقْسَمُ مَالُهُ حَتَّى تَمْضِيَ عِدَّةُ الْوَفَاةِ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ . لِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي يُبَاحُ لِامْرَأَتِهِ التَّزَوُّجُ فِيهِ , وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ , لِأَنَّ الْعِدَّةَ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ الْوَفَاةِ . فَإِذَا حُكِمَ بِوَفَاتِهِ فَلَا وَجْهَ لِلْوُقُوفِ عَنْ قَسْمِ مَالِهِ . النَّوْعُ الثَّانِي : مَنْ لَيْسَ الْغَالِبُ مِنْ حَالِهِ الْهَلَاكَ , كَالْمُسَافِرِ لِتِجَارَةٍ , أَوْ طَلَبِ عِلْمٍ , أَوْ سِيَاحَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ , وَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ , فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا : لَا يُقْسَمُ مَالُهُ , وَلَا تَتَزَوَّجُ امْرَأَتُهُ , حَتَّى يَتَيَقَّنَ مَوْتَهُ , أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهِ مُدَّةٌ لَا يَعِيشُ لِمِثْلِهَا , وَذَلِكَ مَرْجِعُهُ اجْتِهَادُ الْحَاكِمِ . قَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي : ( لِأَنَّ الْأَصْلَ حَيَاتُهُ , وَالتَّقْدِيرُ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِتَوْقِيفٍ , وَلَا تَوْقِيفَ هُنَا , فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ عَنْهُ ) الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : أَنَّهُ يُنْتَظَرُ بِهِ تَتِمَّةُ تِسْعِينَ سَنَةً مُنْذُ وُلِدَ , لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا .
120 - وَيُوقَفُ لِلْمَفْقُودِ حِصَّتُهُ مِنْ مَالِ مَوْرُوثِهِ الَّذِي مَاتَ فِي مُدَّةِ الِانْتِظَارِ , فَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ , وَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ , رُدَّ الْمَوْقُوفُ إلَى وَرَثَةِ مَوْرُوثِ الْمَفْقُودِ . وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ الْمَفْقُودَ إلَّا الْأَحْيَاءُ مِنْ وَرَثَتِهِ يَوْمَ قَسْمِ مَالِهِ , لَا مَنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ , وَلَوْ بِيَوْمٍ .