مِيرَاثُ ذَوِي الْأَرْحَامِ : 74 - الرَّحِمُ لُغَةً : بَيْتُ مَنْبَتِ الْوَلَدِ وَوِعَاؤُهُ , وَالْقَرَابَةُ , أَوْ أَصْلُهَا وَأَسْبَابُهَا , وَجَمْعُهُ أَرْحَامٌ , وَشَرْعًا : كُلُّ قَرِيبٍ . وَفِي عُرْفِ الْفَرْضِيِّينَ : كُلُّ قَرِيبٍ لَيْسَ بِذِي فَرْضٍ مُقَدَّرٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى , أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم أَوْ إجْمَاعِ الْأُمَّةِ , وَلَا عَصَبَةَ تُحْرِزُ الْمَالَ عِنْدَ الِانْفِرَادِ . 75 - وَفِي تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ بَعْدَهُمْ , فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِتَوْرِيثِهِمْ , وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ . فَمِمَّنْ قَالَ بِتَوْرِيثِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ , وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ , وَمِنْ التَّابِعِينَ شُرَيْحٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ . وَمِمَّنْ قَالَ بِعَدَمِ تَوْرِيثِهِمْ : زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ , وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ , وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ , وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ , وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ . وَلَكِنْ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ . فَإِنَّهُ حُكِيَ أَنَّ الْمُعْتَضِدَ سَأَلَ أَبَا حَازِمٍ الْقَاضِيَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ : أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَيْرَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَلَى تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ , وَلَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ بِمُقَابَلَةِ إجْمَاعِهِمْ . وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ فَمِمَّنْ قَالَ بِتَوْرِيثِهِمْ : الْحَنَفِيَّةُ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ , وَمُتَأَخِّرُو الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَعِيسَى بْنُ أَبَانَ , وَأَهْلُ التَّنْزِيلِ رحمهم الله . وَمِمَّنْ قَالَ بِأَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ : سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَمُتَقَدِّمُو الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ . أَدِلَّةُ الْمَانِعِينَ : 76 - اسْتَدَلَّ مَنْ لَا يَقُولُ بِتَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ بِمَا يَلِي : أَوَّلًا : أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - نَصَّ فِي آيَاتِ الْمَوَارِيثِ عَلَى بَيَانِ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ وَالْعَصَبَاتِ , وَلَمْ يَذْكُرْ لِذَوِي الْأَرْحَامِ شَيْئًا , ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّك نَسِيًا ﴾ وَأَدْنَى مَا فِي الْبَابِ أَنْ يَكُونَ تَوْرِيثُ ذَوِي الْأَرْحَامِ زِيَادَةً عَلَى كِتَابِ اللَّهِ , وَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ أَوْ الْقِيَاسِ . ثَانِيًا : ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ مِيرَاثِ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ فَقَالَ : نَزَلَ جِبْرِيلُ عليه السلام وَأَخْبَرَنِي أَلَّا مِيرَاثَ لِلْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ . ﴾ أَدِلَّةُ الْقَائِلِينَ بِتَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ : 77 - وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِتَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ بِمَا يَأْتِي : أَوَّلًا : بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾ إذْ مَعْنَى الْآيَةِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ , فَقَدْ أَثْبَتَتْ اسْتِحْقَاقَ ذَوِي الْأَرْحَامِ بِوَصْفٍ عَامٍّ , هُوَ وَصْفُ الرَّحِمِ , فَإِذَا انْعَدَمَ الْوَصْفُ الْخَاصُّ , وَهُوَ كَوْنُهُمْ أَصْحَابَ فُرُوضٍ أَوْ عَصَبَاتٍ , اسْتَحَقُّوا بِالْوَصْفِ الْعَامِّ , وَهُوَ كَوْنُهُمْ ذَوِي رَحِمٍ , وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الِاسْتِحْقَاقِ بِالْوَصْفِ الْعَامِّ وَالِاسْتِحْقَاقِ بِالْوَصْفِ الْخَاصِّ , فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ زِيَادَةً عَلَى كِتَابِ اللَّهِ . ثَانِيًا : ﴿ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ , وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ . ﴾ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ ﴿ الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ , يَرِثُهُ وَيَعْقِلُ عَنْهُ ﴾ وَذَهَبَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ إلَى أَنَّ ذَوِي الْأَرْحَامِ يَرِثُونَ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَصْحَابُ فُرُوضٍ , وَلَا عَصَبَةٌ , وَلَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ عَدْلًا . وَأَجْمَعَ مُتَأَخِّرُو الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ بَيْتُ الْمَالِ غَيْرَ مُنْتَظِمٍ فَإِنَّ ذَوِي الْأَرْحَامِ يَرِثُونَ إذَا لَمْ يُوجَدْ أَصْحَابُ فُرُوضٍ أَوْ عَصَبَةٍ . وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ انْتِظَامِهِ أَلَّا يَصْرِفَ الْإِمَامُ التَّرِكَةَ فِي مَصَارِفِهَا الشَّرْعِيَّةِ . 78 - وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ كَالْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ , يُقَدِّمُونَ الرَّدَّ فِي حَالِ وُجُودِ أَصْحَابِ فُرُوضٍ لَمْ يَسْتَغْرِقُوا التَّرِكَةَ عَلَى تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ , فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا , وَرِثَ ذَوُو الْأَرْحَامِ بِالْقَيْدِ السَّابِقِ . وَمَنْ انْفَرَدَ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ أَخَذَ جَمِيعَ التَّرِكَةِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى , أَمَّا إذَا تَعَدَّدُوا , فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ تَوْرِيثِهِمْ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ : 1 - مَذْهَبُ أَهْلِ الْقَرَابَةِ . 2 - مَذْهَبُ أَهْلِ الرَّحِمِ . 3 - مَذْهَبُ أَهْلِ التَّنْزِيلِ . 79 - وَأَهْلُ الْقَرَابَةِ هُمْ
موسوعة فقه العبادات · الصفحة ٢٣٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
موسوعة فقه العباداتص ٢٣٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي