وفي الاستحسان : لا يجوز احتياطاً .
وقد اختلف فقهاء الحنفيّة في حدّ الجريان : فقال بعضهم : هو أن يجري بالتّبن والورق . وقال بعضهم : إن كان بحيث لو وضع رجل يده في الماء عرضاً لم ينقطع جريانه فهو جار, وإلّا فلا .
وروي عن أبي يوسف : إن كان بحال لو اغترف إنسان الماء بكفّيه لم ينحسر وجه الأرض بالاغتراف فهو جار , وإلّا فلا .
وقيل : ما يعده النّاس جارياً فهو جار , وما لا فلا . قال الكاساني : وهو أصح الأقاويل . وإن كان الماء راكداً وكان قليلاً ينجس وإن كان كثيراً لا ينجس .
ثانياً - مذهب المالكيّة :
20 - قال الدسوقيّ : إنّ الماء اليسير - وهو ما كان قدر آنية الوضوء أو الغسل فما دونهما - إذا حلّت فيه نجاسة قليلة كالقطرة ولم تغيّره , فإنّه يكره استعماله في رفع حدث أو في حكم خبث ومتوقّف على طهور كالطّهارة المسنونة والمستحبّة .
وأمّا استعماله في العادات فلا كراهة فيه , فالكراهة خاصّة بما يتوقّف على طهور .
ثمّ قال : الكراهة مقيّدة بقيود سبعة : أن يكون الماء الّذي حلّت فيه النّجاسة يسيراً , وأن تكون النّجاسة الّتي حلّت فيه قطرة فما فوقها , وأن لا تغيّره , وأن يوجد غيره , وأن لا يكون له مادّة كبئر , وأن لا يكون جارياً , وأن يراد استعماله فيما يتوقّف على طهور كرفع حدث وحكم خبث وأوضية واغتسالات مندوبة . فإن انتفى قيد منها فلا كراهة .
ثالثاً - مذهب الشّافعيّة :
21 - يقول الشّيرازي : إذا وقعت في الماء نجاسة لا يخلو : إمّا أن يكون راكداً أو جارياً , أو بعضه راكداً وبعضه جارياً .
أ - فإن كان راكداً : نظرت في النّجاسة : فإن كانت نجاسةً يدركها الطّرف من خمر أو بول أو ميتة لها نفسٌ سائلة نظرت :
فإن تغيّر أحد أوصافه من طعم أو لون أو رائحة فهو نجسٌ, لقوله صلى الله عليه وسلم :
« الماء لا ينجس إلّا ما غيّر ريحه أو طعمه » . فنصّ على الطّعم والرّيح , وقيس اللّون عليهما لأنّه في معناهما .
وإن تغيّر بعضه دون البعض : نجس الجميع , لأنّه ماء واحد , فلا يجوز أن ينجس بعضه دون بعض .
وإن لم يتغيّر : نظرت : فإن كان الماء دون القلّتين فهو نجسٌ , وإن كان قلّتين فصاعداً فهو طاهر لقوله صلى الله عليه وسلم : « إذا كان الماء قلّتين لم يحمل الخبث » . ولأنّ القليل يمكن حفظه من النّجاسة في الظروف , والكثير لا يمكن حفظه من النّجاسة , فجعل القلّتين حداً فاصلاً بينهما .
ثمّ قال : فإن كانت النّجاسة ممّا لا يدركها الطّرف ففيه ثلاث طرق :
من أصحابنا من قال : لا حكم لها , لأنّها لا يمكن الاحتراز منها فهي كغبار السّرجين . ومنهم من قال : حكمها حكم سائر النّجاسات لأنّها نجاسة متيقّنة فهي كالنّجاسة الّتي يدركها الطّرف .
ومنهم من قال : فيه قولان .
كما بيّن حكمه إن كان جارياً , فقال :
ب - وإن كان الماء جارياً وفيه نجاسة جارية كالميتة , والجرية المتغيّرة , فالماء الّذي قبلها طاهر لأنّه لم يصل إلى النّجاسة , فهو كالماء الّذي يصب على النّجاسة من إبريق , والّذي بعدها طاهر أيضاً لأنّه لم تصل إليه النّجاسة , وأمّا ما يحيط بالنّجاسة من فوقها وتحتها ويمينها وشمالها فإن كان قلّتين ولم يتغيّر فهو طاهر , وإن كان دونهما فهو نجسٌ كالرّاكد .
وقال أبو العبّاس ابن القاصّ : فيه قول آخر قاله في القديم : أنّه لا ينجس الماء الجاري إلّا لتغير , لأنّه ماء ورد على النّجاسة فلم ينجس من غير تغير , كالماء المزال به النّجاسة . وإن كانت النّجاسة واقفةً والماء يجري عليها , فإنّ ما قبلها وما بعدها طاهر , وما يجري عليها إن كان قلّتين فهو طاهر , وإن كان دونهما فهو نجسٌ , وكذلك كل ما يجري عليها بعدها فهو نجسٌ , ولا يطهر شيء من ذلك حتّى يركد في موضع ويبلغ قلّتين .
وأضاف الشّيرازي : وإن كان بعضه جارياً وبعضه راكداً : بأن يكون في النّهر موضع منخفضٌ يركد فيه الماء , والماء يجري بجنبه والرّاكد زائل عن سمت الجري , فوقع في الرّاكد نجاسة وهو دون القلّتين , فإن كان مع الجرية الّتي يحاذيها يبلغ قلّتين فهو طاهر . وإن لم يبلغ قلّتين فهو نجسٌ , وتتنجّس كل جرية بجنبها إلى أن يجتمع في موضع قلّتان فيطهر .
رابعاً - مذهب الحنابلة :
22 - قال الحنابلة : إذا تغيّر الماء بمخالطة النّجاسة فهو نجسٌ .
وإن لم يتغيّر وهو يسير ففيه روايتان , إحداهما : ينجس , وهو المذهب وعليه الأصحاب , وعموم هذه الرّواية يقتضي النّجاسة سواء أدركها الطّرف أو لا , وهو الصّحيح وهو المذهب .
والرّواية الثّانية لا ينجس , وهذا الخلاف في الماء الرّاكد .
وأمّا الجاري , فعن أحمد أنّه كالرّاكد إن بلغ جميعه قلّتين دفع النّجاسة إن لم تغيّره , وإلّا فلا وهي المذهب .
قال في الحاوي الصّغير : ولا ينجس قليل جار قبل تغيره في أصحّ الرّوايتين , وعن أحمد تعتبر كل جرية بنفسها , اختارها القاضي وأصحابه , وقال : هي المذهب .
تطهير المياه النّجسة :
23 - اختلف الفقهاء في كيفيّة تطهير الماء النّجس على الوجه الآتي :
قال الكاساني : اختلف المشايخ في كيفيّة تطهير المياه النّجسة في الأواني ونحوها , فقال أبو جعفر الهنداوني وأبو اللّيث : إذا دخل الماء الطّاهر في الإناء وخرج بعضه يحكم بطهارته بعد أن لا تستبين فيه النّجاسة , لأنّه صار ماءً جارياً , ولم يستيقن ببقاء النّجاسة فيه .
وقال أبو بكر الأعمش : لا يطهر حتّى يدخل الماء فيه , ويخرج منه مثل ما كان فيه ثلاث مرّاتٍ , فيصير ذلك بمنزلة غسله ثلاثاً .
وقيل : إذا خرج منه مقدار الماء النّجس يطهر , كالبئر إذا تنجّست أنّه يحكم بطهارتها بنزح ما فيها من الماء .