ويقرب من هذا ما قاله الكاساني : إنّ مطلق المرض ليس بسبب للرخصة , لأنّ الرخصة بسبب المرض والسّفر لمعنى المشقّة بالصّوم تيسيراً للمريض والمسافر وتخفيفاً عليهما , ومن الأمراض ما ينفعه الصّوم ويخفه , ويكون الصّوم على المريض أسهل من الأكل , بل الأكل يضره ويشتد عليه , ومن التّعبد التّرخص بما يسهل على المريض تحصيله , والتّضييق بما يشتد عليه .
وكذلك اختلفوا فيما إذا نوى المريض في رمضان واجباً آخر :
فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة , وأبو يوسف ومحمّد وقيل وهو الأصح عند أبي حنيفة إلى أنّه لا يجوز لمريض أبيح له الفطر أن يصوم في رمضان عن غيره من قضاءٍ ونذرٍ وغيرهما , لأنّ الفطر أبيح تخفيفاً ورخصةً , فإذا لم يؤدّه , لزمه الإتيان بالأصل , ولأنّ الرخصة لاحتمال تضرره وعجزه , فإذا صام انتفى ذلك فصار كالصّحيح , ولأنّ أيّام رمضان متعيّنة لصومه , فله التّرخص بالفطر أو الصّيام عن رمضان .
إلا أنّه عند الجمهور يلغو صومه ولا يجزئ عن واحدٍ منهما , وعند الحنفيّة يقع عن رمضان سواء نوى واجباً آخر أو لم ينو .
وذهب أبو حنيفة في رواية الكرخيّ إلى أنّه إن نوى واجباً آخر وقع عنه , وإلا وقع عن رمضان , لأنّ الشّارع خصّ له ليصرفه إلى ما هو الأهم عنده من الصّوم أو الفطر , فصار كشعبان في حقّ غيره , فلمّا نوى واجباً آخر تبيّن أنّه الأهم عنده , فيقع عنه .
والكلام على خوف المريض زيادة مرضه بالصّوم , أو إبطاء البرء أو فساد عضوٍ , وخوف الصّحيح المرض أو الشّدّة أو الهلاك وحكم الإفطار في كلّ حالةٍ , وكيفيّة القضاء بالنّسبة لمن فاته صوم رمضان , سبق ذكره في مصطلح : ( صوم ف 26 , 55 , 56 , 86 , 87 ) .
وألحق بالمريض الحامل والمرضع فيجوز لهما الفطر بشروط معيّنةٍ ينظر تفصيلها في مصطلح : ( صوم ف 62 ) .
الخروج من الاعتكاف لعيادة المريض :
15 - ذهب الأئمّة الثّلاثة وهو رواية عن أحمد وبه قال عطاء وعروة ومجاهد والزهري إلى أنّه لا يجوز للمعتكف اعتكافاً واجباً أن يخرج من معتكفه لعيادة المريض , واستدلوا بما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت : « كان النّبي صلى الله عليه وسلم يمر بالمريض وهو معتكف , فيمر كما هو ولا يعرّج يسأل عنه » .
وفي رواية الأثرم ومحمّد بن الحكم عن أحمد : يجوز له أن يعود المريض ولا يجلس , قال ابن قدامة : وهو قول عليٍّ رضي الله تعالى عنه وبه قال سعيد بن جبيرٍ والنّخعيّ والحسن واستدلوا بما روى عاصم بن خمرة عن عليٍّ رضي الله عنه قال : إذا اعتكف الرّجل فليشهد الجمعة , وليعد المريض , وليحضر الجنازة , وليأت أهله , وليأمرهم بالحاجة وهو قائم . وأمّا إن كان الاعتكاف تطوعاً ففي المذهب الحنفيّ روايتان :
أ - يفسد الاعتكاف , وهو رواية الحسن بن زيادٍ عن أبي حنيفة لأنّه مقدّر بيوم كالصّوم , ولهذا قال : إنّه لا يصح بدون الصّوم كالاعتكاف الواجب , ولأنّ الشروع في التّطوع موجب للإتمام على أصل الحنفيّة صيانةً للمؤدّى عن البطلان كما في صوم التّطوع , وبه قال المالكيّة .
ب - لا يفسد وهو رواية الأصل , لأنّ اعتكاف التّطوع غير مقدّرٍ , فله أن يعتكف ساعةً من نهارٍ , أو نصف يومٍ أو ما شاء من قليلٍ أو كثيرٍ ويخرج , فيكون معتكفاً ما أقام , تاركاً ما خرج .
وقال الحنابلة : يجوز الخروج لعيادة المريض , لأنّ كلّ واحدٍ منهما تطوع فلا يتحتّم واحد منها , لكنّ الأفضل المقام على اعتكافه , لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرّج على المريض , ولم يكن الاعتكاف واجباً عليه .
وأمّا الخروج من الاعتكاف للمرض ونحوه فتفصيله في مصطلح : ( اعتكاف : ف 33 , 36 , 37 ) .
الاستنابة في الحجّ والعمرة للمرض :
16 - اتّفق الفقهاء على أنّ سلامة البدن من الأمراض والعاهات الّتي تعوق عن الحجّ شرط لوجوب الحجّ .
واختلفوا هل هي شرط لأصل الوجوب كما قال به أبو حنيفة ومالك وهو رواية عن محمّدٍ وأبي يوسف ، أو شرط للأداء بالنّفس كما قال به الشّافعيّة والحنابلة وهو ظاهر الرّواية عن الصّاحبين .
وعلى هذا فمن وجدت فيه شروط وجوب الحجّ , ولكن كان عاجزاً عنه لمانع لا يرجى زواله , كزمانة أو مرضٍ لا يرجى برؤه , أو كان مهزول الجسم لا يقدر على الثبوت على الرّاحلة إلا بمشقّة غير محتملةٍ ، فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يلزمه أن يقيم من يحج عنه ويعتمر إذا وجد من ينوب عنه , ومالاً يستنيبه به .
واستدلوا بما روي عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما : « أنّ امرأةً من خثعمٍ قالت : يا رسول اللّه إنّ فريضة اللّه على عباده في الحجّ أدركت أبي شيخًا كبيراً لا يثبت على الرّاحلة أفأحج عنه ؟ قال : نعم وذلك في حجّة الوداع » .
وقال مالك وأبو حنيفة في روايةٍ : لا حجّ عليه إلا أن يستطيع بنفسه , واستدلوا بقوله تعالى : ﴿ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ , وهذا غير مستطيعٍ , ولأنّ هذه عبادة لا تدخلها النّيابة مع القدرة , فلا تدخلها مع العجز كالصّوم والصّلاة .
وإذا عوفي من مرضه بعد ما أحجّ غيره عن نفسه , يلزمه حج آخر عند الحنفيّة والشّافعيّة وابن المنذر من الحنابلة , لأنّ هذا الحجّ بدل إياسٍ , فإذا برأ تبيّن أنّه لم يكن مأيوساً منه , فلزمه الأصل , قياساً على الآيسة إذا اعتدّت بالشهور , ثمّ حاضت لا يجزئها تلك العدّة . وذهب الحنابلة إلى أنّه لم يجب عليه الحج , وبه قال إسحاق لأنّه أتى بما أمر به , فخرج من العهدة كما لو لم يبرأ , ولأنّه أدّى حجّة الإسلام بأمر الشّارع فلم يلزمه حج ثانٍ كما لو حجّ بنفسه .