فقال المالكيّة : يجوز للجذم ترك الجماعة إن كان رائحتهم تضر بالمصلّين , وكانوا لا يجدون موضعاً يتميّزون فيه , أمّا لو وجدوا موضعاً يصح فيه الجمعة ويتميّزون فيه بحيث لا يلحق ضررهم بالنّاس فإنّها تجب عليهم اتّفاقاً , لإمكان الجمع بين حقّ اللّه تعالى , وحقّ النّاس , وما قيل في الجذام يقال في البرص .
وقال الشّافعيّة : ويندب للإمام منع صاحب البرص والجذام من المساجد , ومخالطة النّاس والجمعة والجماعات .
11 - وذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الممرّض يلحق بالمريض في التّخلف عن الجمعة والجماعات , واختلفوا في التّفاصيل :
فقال الحنفيّة في الأصحّ : يجوز للممرّض التّخلف إن بقي المريض ضائعاً بخروجه .
وقيّده المالكيّة بالقريب الخاصّ وقالوا : يجوز تخلف ممرّض القريب الخاصّ عن الجماعة مطلقاً , كولد , ووالدٍ وزوجٍ , وتخلف ممرّض الأجنبيّ عنها بشرطين : أن لا يكون له من يقوم به , وأن يخشى عليه الضّيعة لو ترك , كالعطش أو الجوع , أو الوقوع في نارٍ أو مهواةٍ , أو التّمرغ في نجاسةٍ .
وألحق المالكيّة في المعتمد ممرّض القريب غير الخاصّ - كالعمّ وابن العمّ - بالأجنبيّ , خلافاً لابن الحاجب حيث جعل تمريض القريب مطلقاً عذراً لإباحة ترك الجماعة من غير اعتبار شيءٍ من القيدين المعتبرين في تمريض الأجنبيّ .
وقال الشّافعيّة : يجوز التّخلف عن الجمعة والجماعة لممرّض مريضٍ قريبٍ بلا متعهّدٍ , أو له متعهّد , لكنّ المريض يأنس به لتضرر المريض بغيبته , فحفظه أو تأنيسه أفضل من حفظ الجماعة , والمملوك والزّوجة وكل من له مصاهرة , والصّديق , والأستاذ كالقريب , بخلاف الأجنبيّ الّذي له متعهّد , أمّا الأجنبي الّذي لا متعهّد له , فالحضور عنده عذر لجواز التّخلف عن الجماعة , وكذلك إذا كان المتعهّد مشغولاً بشراء الأدوية - مثلاً - عن الخدمة فوجوده كالعدم .
ويرى الحنابلة أنّه يعذر بترك الجمعة والجماعة ممرّض القريب أو الرّفيق وقيّدوه بأن لا يكون معه من يقوم مقامه , لأنّ ابن عمر استصرخ على سعيد بن زيدٍ وهو يتجمّر للجمعة فأتاه بالعقيق وترك الجمعة , قال الرّحيبانيّ : قال في الشّرح : ولا نعلم في ذلك خلافاً .
قال ابن قدامة : وهذا مذهب عطاءٍ والحسن والأوزاعيّ .
12 - ويباح للمرضى التّخلف عن صلاة العيدين كالجمعة والجماعة عند من يقول : إنّها واجبة على الأعيان وهم الحنفيّة , أو سنّة مؤكّدة على الأعيان وهم المالكيّة , وجمهور الشّافعيّة ورواية عن الحنابلة .
ولا يتأتّى ذلك عند الحنابلة في ظاهر المذهب إذ أنّها فرض على الكفاية .
خامساً : الجمع بين الصّلاتين للمرض :
13 - اختلف الفقهاء في جواز الجمع بين الصّلاتين للمريض :
فذهب الحنفيّة والشّافعيّة في المشهور من المذهب إلى عدم الجواز , واستدلّ الحنفيّة بما روي في الصّحيحين عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال : « ما رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم صلّى صلاةً إلا لميقاتها إلا صلاتين : صلاة المغرب والعشاء بجمع وصلّى الفجر يومئذٍ قبل ميقاتها » ، ولأنّ أوقات الصّلاة قد ثبتت بلا خلافٍ , ولا يجوز إخراج صلاةٍ عن وقتها إلا بنصّ غير محتملٍ , إذ لا ينبغي أن يخرج عن أمرٍ ثابتٍ بأمر محتملٍ .
وقال الشّافعيّة في المشهور عندهم : لا يجمع لمرض لأنّه لم ينقل , ولخبر المواقيت فلا يخالف إلا بصريح .
وذهب الحنابلة وجمهور المالكيّة وبعض الشّافعيّة - وهو ما اختاره النّووي - إلى جواز الجمع بين الصّلاتين للمريض , واستدلوا بما ورد عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنه ما قال : « جمع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر , والمغرب والعشاء من غير خوفٍ ولا مطرٍ » وفي روايةٍ : « من غير خوفٍ ولا سفرٍ » .
والمراد بالمرض المبيح للجمع عند الحنابلة كما صرّح به ابن القيّم هو ما يلحقه بتأدية كلّ صلاةٍ في وقتها مشقّة وضعف .
وعند المالكيّة : يجمع إن خاف أن يغلب على عقله , أو إن كان الجمع أرفق به .
وقال الدّردير : من خاف إغماءً أو حمّى نافضاً أو دوخةً عند دخول وقت الصّلاة الثّانية - العصر أو العشاء - قدّم الثّانية عند الأولى جوازاً على الرّاجح , فإن سلم من الإغماء وما بعده وكان قد قدّم الثّانية أعاد الثّانية بوقت ضروريٍّ .
وعند الشّافعيّة القائلين بجواز الجمع للمرض يشترط أن يكون المرض ممّا يبيح الجلوس في الفريضة على الأوجه .
وقال ابن حبيبٍ وابن يونس من المالكيّة : يجمع جمعاً صورياً , وهو أن يجمع آخر وقت الظهر وأوّل وقت العصر , ويحصل له فضيلة أوّل الوقت .
والمريض - عند الحنابلة والشّافعيّة القائلين بجوار الجمع - مخيّر في التّقديم والتّأخير وله أن يراعي الأرفق بنفسه , فإن كان يحم مثلاً في وقت الثّانية قدّمها إلى الأولى بشروطها , وإن كان يحم في وقت الأولى , أخّرها إلى الثّانية .
سادساً : الفطر في رمضان :
14 - اتّفق الفقهاء على أنّ المرض من مبيحات الإفطار في الجملة , والأصل فيه قوله تعالى : ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ .
واختلفوا في تحديد المرض الّذي يبيح الإفطار :
قال ابن قدامة : المرض لا ضابط له , فإنّ الأمراض تختلف : منها ما يضر صاحبه الصّوم , ومنها ما لا أثر للصّوم فيه كوجع الضّرس , وجرحٍ في الأصبع , والدمّل , والقرحة اليسيرة , والجرب وأشباه ذلك , فلم يصلح المرض ضابطاً , وأمكن اعتبار الحكمة , وهو ما يخاف منه الضّرر .