وبأنّ الكفّارة في الظّهار كفّارة يمينٍ , فلا يحنث بغير الحنث كسائر الأيمان , والحنث فيها هو العود .
القول الثّاني : وجوب الكفّارة بمجرّد الظّهار دون العود وبه قال طاوس ومجاهد والشّعبي والزهري وقتادة .
واستدلوا بقوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ﴾ .
ووجه الدّلالة من الآية : أنّها تفيد وجوب الكفّارة بمجرّد الظّهار , لأنّ اللّه عزّ وجلّ قال : ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا ﴾ والعود : هو العود بالظّهار في الإسلام , لأنّ معنى الآية : أنّ الظّهار كان طلاق الجاهليّة , فنسخ تحريمه بالكفّارة .
وقالوا : إنّ الظّهار سبب للكفّارة , وقد وجد فتجب الكفّارة وأنّه معنىً يوجب الكفّارة العليا , فوجب أن يوجبها بنفسه لا بمعنى زائدٍ , تشبيهاً بكفّارة القتل والفطر .
وإنّ الكفّارة وجبت لقول المنكر والزور , وهذا يحصل بمجرّد الظّهار .
العود الموجب للكفّارة :
66 - اختلف الفقهاء في بيان معنى العود على أربعة أقوالٍ :
القول الأوّل : العود هو العزم على الوطء .
وإليه ذهب الحنفيّة , وهي الرّواية الصّحيحة المشهورة عند أصحاب مالكٍ وبه قال القاضي وأصحابه .
القول الثّاني : العود هو الوطء .
وإليه ذهب الحنابلة , وحكي ذلك عن الحسن وطاوسٍ والزهريّ وهو رواية عن مالكٍ لكنّها ضعيفة عند أصحابه .
القول الثّالث : العود هو أن يمسكها في النّكاح زمناً يمكنه فيه مفارقتها , وإليه ذهب الشّافعيّة .
القول الرّابع : العود هو تكرار لفظ الظّهار وإعادته .
وإليه ذهب بكير بن الأشجّ وأبو العالية , وهو قول الفرّاء .
وقد استدلّ أصحاب القول الأوّل : بقوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ﴾ .
ووجه الدّلالة من الآية أنّها نص في وجوب الكفّارة عند العزم على الوطء , كأنّه تعالى قال : إذا عزمت على الوطء فكفّر قبله , كما قال سبحانه وتعالى : ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ ﴾ .
وقالوا : إنّه قصد بالظّهار تحريمها , فالعزم على وطئها عود فيما قصد .
وإنّ الظّهار تحريم , فإذا أراد استباحتها فقد رجع في ذلك التّحريم , فكان عائداً .
وإنّ المفهوم من الظّهار هو أنّ وجوب الكفّارة فيه , إنّما يكون بإرادته العودة إلى ما حرّم على نفسه بالظّهار , وهو الوطء , وإذا كان ذلك كذلك , وجب أن تكون العودة إمّا الوطء نفسه , أو العزم عليه وإرادته .
واستدلّ أصحاب القول الثّاني : بأنّ العود فعل ضد قوله , ومنه العائد في هبته هو الرّاجع في الموهوب , والعائد في عدته : التّارك للوفاء بها , والعائد فيما نهي عنه : فاعل المنهيّ عنه , قال تعالى : ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ ﴾ فالمظاهر محرّم للوطء على نفسه , ومانع لها منه , فالعود فعله , أي فعل الوطء الّذي حرّمه على نفسه بظهاره .
وبأنّ الظّهار يمين مكفّرة , فلا تجب الكفّارة بالحنث فيها , وهو فعل ما حلف على تركه كسائر الأيمان وإنّما تجب بالوطء , لأنّها يمين تقتضي ترك الوطء , فلا تجب كفّارتها إلا به كالإيلاء .
واستدلّ أصحاب القول الثّالث : بأنّه لمّا ظاهر فقد قصد التّحريم , فإن وصل ذلك بالطّلاق , فقد تمّم ما شرع فيه من التّحريم , ولا كفّارة عليه , فإذا سكت عن الطّلاق , فذلك يدل على أنّه ندم على ما ابتدأ به من التّحريم , فحينئذٍ تجب عليه الكفّارة .
واستدلّ أصحاب القول الرّابع : بقوله تعالى : ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا ﴾ .
وهذه الآية تدل على أنّ العود هو إعادة ما فعلوه , وهذا لا يكون إلا بالتّكرار , لأنّ العود في الشّيء إعادته .
وقالوا إنّ الّذي يعقل من لغة العرب في العود إلى الشّيء , إنّما هو فعل مثله مرّةً ثانيةً , كما قال تعالى : ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ , كما أنّ العود في القول عبارة عن تكراره , قال تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ ﴾ فكان معنى قوله : ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا ﴾ أي يرجعون إلى القول الأوّل فيكرّرونه .
وقد اتّفق أهل التّأويل على أنّ عودهم لما نهوا عنه , هو إتيانهم مرّةً ثانيةً بمثل ما نهوا عنه , وما فعلوه أوّل مرّةٍ .
شروط الكفّارة :
ذكر الفقهاء للكفّارة شروطاً عامّةً وأخرى خاصّةً تتعلّق بكلّ سببٍ من أسبابها :
أوّلاً : الشروط العامّة في الكفّارات :
يشترط في الكفّارات عموماً شروط , منها :
الشّرط الأوّل : النّيّة :
67 - اتّفق الفقهاء على اشتراط النّيّة في الكفّارة لصحّتها ولهم في ذلك تفصيل :
فقال الحنفيّة : من وجبت عليه كفّارتا ظهارٍ فأعتق رقبتين لا ينوي عن إحداهما بعينها جاز عنهما , وكذا إذا صام أربعة أشهرٍ أو أطعم مائةً وعشرين مسكيناً جاز , لأنّ الجنس متّحد فلا حاجة إلى نيّةٍ معيّنةٍ , وإن أعتق عنهما رقبةً واحدةً أو صام شهرين كان له أن يجعل ذلك عن أيّهما شاء , وإن أعتق عن ظهارٍ وقتلٍ لم يجز عن واحدٍ منهما , لأنّ نيّة التّعيين في الجنس المتّحد غير مفيدٍ فتلغو وفي الجنس المختلف مفيد , وقال زفر لا يجزيه عن أحدهما في الفصلين .
وقال المالكيّة : لو أعتق رقبتين عن كفّارتي ظهارٍ أو قتلٍ أو فطرٍ في رمضان وأشرك بينهما في كلّ واحدةٍ منهما لم يجزه .