وبيانه : أنّه ظاهر من هذه , فلزمه كفّارة بسبب هذا الظّهار , وظاهر أيضاً من الثّانية , فالظّهار الثّاني لا بدّ وأن يوجب كفّارةً أخرى وهكذا .
وقالوا إنّ الظّهار يوجب تحريماً مؤقّتًا يرتفع بالكفّارة , فإذا أضافه إلى محالٍّ مختلفةٍ , يثبت في كلّ محلٍّ حرمة لا ترتفع إلا بالكفّارة كالتّطليقات الثّلاث لما كانت توجب حرمةً مؤقّتةً ترتفع بزوج آخر , فإذا أوجبها في أربع نسوةٍ بكلمة واحدةٍ , تثبت في حقّ كلّ واحدةٍ منهنّ حرمة لا ترتفع إلا بزوج .
وإنّ الظّهار وإن كان بكلمة واحدةٍ , فإنّها تتناول كلّ واحدةٍ منهنّ على حيالها , فصار مظاهراً من كلّ واحدةٍ منهنّ , والظّهار لا يرتفع إلا بالكفّارة , فإذا تعدّد التّحريم تتعدّد الكفّارة .
وإنّه وجب الظّهار والعود في حقّ كلّ امرأةٍ منهنّ , فوجب عليه عن كلّ واحدةٍ كفّارة , كما لو أفردها به .
ج - تعدد الكفّارة على من ظاهر من نسائه بكلمات :
63 - اختلف الفقهاء في تعدد الكفّارة على من ظاهر من نسائه بكلمات , كأن قال لكلّ واحدةٍ منهنّ : أنت عليّ كظهر أمّي , على قولين :
القول الأوّل : تعدد الكفّارة على من ظاهر من نسائه بكلمات .
وإليه ذهب الحنفيّة , والمالكيّة , والحنابلة , والشّافعيّة .
وبه قال عروة وعطاء والأوزاعي وإسحاق والثّوري وأبو ثورٍ , والحكم ويحيى الأنصاري , وعامّة فقهاء الأمصار .
وفصّل الشّافعيّة فقالوا : لو ظاهر من نسائه الأربع بأربع كلماتٍ فإن لم يوالها كان مظاهراً منهنّ لوجود لفظ الظّهار الصّريح , فإن أمسكهنّ زمناً يسع طلاقهنّ فعائد منهنّ , وتجب عليه أربع كفّاراتٍ لوجود الظّهار والعود في حقّ كلّ واحدةٍ منهنّ .
وإن والاها صار بظهار الثّانية عائداً في الأولى , وبظهار الثّالثة عائداً في الثّانية وبظهار الرّابعة عائداً في الثّالثة , فإن فارق الرّابعة عقب ظهارها فعليه ثلاث كفّاراتٍ , وإلا فأربع . واستدلوا بأنّها أيمان متكرّرة على أعيانٍ متفرّقةٍ فكان لكلّ واحدةٍ كفّارة كما لو كفّر ثمّ ظاهر .
وأنّها أيمان لا يحنث في إحداها بالحنث في الأخرى , فلا تكفّرها كفّارة واحدة كالأصل .
وأنّ الظّهار معنىً يوجب الكفّارة , فتتعدّد الكفّارة بتعدده في المحالّ المختلفة كالقتل .
القول الثّاني : لا تتعدّد الكفّارة وتجزئه كفّارة واحدة .
قال أبو بكرٍ : هو رواية ثانية عن أحمد واختارها , وقال : هذا الّذي قلناه اتّباعاً لعمر بن الخطّاب والحسن وعطاءٍ وإبراهيم وربيعة وقبيصة .
واستدلوا بأنّ كفّارة الظّهار حق للّه تعالى فلم تتكرّر بتكرر سببها كالحدّ .
د - تعدد الكفّارة بالوطء قبل التّكفير :
64 - اختلف الفقهاء في تعدد الكفّارة بالجماع قبل التّكفير , وعدم تعددها على قولين : القول الأوّل : عدم تعدد الكفّارة بالجماع قبل التّكفير .
وإليه ذهب جمهور الفقهاء : الحنفيّة والمالكيّة , والشّافعيّة , والحنابلة , وروي ذلك عن سعيد بن المسيّب وعطاءٍ وطاوسٍ وجابر بن زيدٍ ومورّقٍ العجليّ وأبي مجلزٍ والنّخعيّ وعبد اللّه بن أذينة والثّوريّ والأوزاعيّ وإسحاق وأبي ثورٍ .
واستدلوا بقوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ﴾ .
فهذه الآية قد دلّت على تعدد الكفّارة بالجماع قبل التّكفير لأنّها أفادت أنّه يجب على المظاهر كفّارة قبل العود , فإذا جامع قبل التّكفير فقد فاتت صفة القبليّة , فيبقى أصل الوجوب , ولأنّه لا دلالة فيها على أنّ ترك تقديم الكفّارة على الجماع , يوجب كفّارةً أخرى .
كما استدلوا بما روي : « أنّ رجلاً ظاهر من زوجته فوقع عليها قبل أن يكفّر , فقال له النّبي صلى الله عليه وسلم : ما حملك على هذا ؟ فقال : رأيت خلخالها في ضوء القمر ، فقال له الرّسول صلى الله عليه وسلم : فاعتزلها حتّى تكفّر عنك » .
فهذا الحديث نص في عدم تعدد الكفّارة بالوطء قبل التّكفير , لأنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم أمره باعتزال زوجته حتّى يكفّر ولم يأمره بتكرار التّكفير لجماعه زوجته قبل أن يكفّر عن ظهاره , وإنّما أمره أن يكفّر تكفيراً واحداً , إذ لو كان الواجب متعدّداً لبيّنه له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لأنّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة .
القول الثّاني : تعدد الكفّارة بالجماع قبل التّكفير .
وبه قال عمرو بن العاص وسعيد بن جبيرٍ وقبيصة بن ذؤيبٍ والزهري وقتادة وابن شهابٍ وعبد الرّحمن بن مهديٍّ .
واستدلوا بأنّ الكفّارة الأولى للظّهار الّذي اقترن به العود , والثّانية وجبت للوطء المحرّم , كالوطء في نهار رمضان .
وبأنّ الكفّارة تتعدّد عقوبةً له على إقدامه على الحرام .
وجوب الكفّارة بمجرّد الظّهار دون العود :
65 - اختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة بمجرّد الظّهار دون العود على قولين :
القول الأوّل : عدم وجوب الكفّارة دون العود .
وإليه ذهب الحنفيّة , والمالكيّة , والشّافعيّة , والحنابلة , وبه قال عطاء والنّخعي والأوزاعي والثّوري والحسن وأبو عبيدٍ .
واستدلوا بقوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ﴾ .
ووجه الدّلالة من الآية : أنّها نص في معنى وجوب تعلق الكفّارة بالعود , لأنّ الكفّارة وجبت في الآية بأمرين هما : ظهار وعود , فلا تثبت بأحدهما .
وبقياس كفّارة الظّهار على كفّارة اليمين , فكما أنّ الكفّارة في اليمين إنّما تلزم بالمخالفة أو بإرادة المخالفة , فكذلك الأمر في الظّهار .