تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قِرَاءَةُ الْمَأْمُومِ خَلْفَ الْإِمَامِ : 10 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ خَلْفَ الْإِمَامِ . فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمَأْمُومِ سَوَاءٌ كَانَتْ الصَّلَاةُ جَهْرِيَّةً أَوْ سِرِّيَّةً لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : ﴿ مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ ﴾ , قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ مِنْ الْحَنَابِلَةِ : الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ إنَّمَا تَقُومُ عَنْ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ إذَا كَانَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ صَحِيحَةً , احْتِزَازًا عَنْ الْإِمَامِ إذَا كَانَ مُحْدِثًا أَوْ نَجِسًا وَلَوْ يَعْلَمُ ذَلِكَ وَقُلْنَا بِصِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ , فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ لِعَدَمِ صِحَّةِ صَلَاةِ الْإِمَامِ , فَتَكُونُ قِرَاءَتُهُ غَيْرَ مُعْتَبَرَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى رُكْنِ الصَّلَاةِ فَلَا تَسْقُطُ عَنْ الْمَأْمُومِ . وَهَذَا ظَاهِرٌ , لَكِنْ لَمْ أَجِدْ مِنْ أَعْيَانِ مَشَايِخِ الْمَذْهَبِ مَنْ اسْتَثْنَاهُ . نَعَمْ وَجَدْته فِي بَعْضِ كَلَامِ الْمُتَأَخِّرِينَ . قَالَ الْبُهُوتِيُّ : وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَشْيَاخِ وَالْأَخْبَارِ خِلَافُهُ لِلْمَشَقَّةِ . وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي السِّرِّيَّةِ . وَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أَنَّهَا تَجِبُ فِي صَلَاةِ السِّرِّ , وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ حَيْثُ قَالَ بِلُزُومِهَا لِلْمَأْمُومِ فِي السِّرِّيَّةِ . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَقْرَأُ مُطْلَقًا خَلْفَ الْإِمَامِ حَتَّى فِي الصَّلَاةِ السِّرِّيَّةِ , وَيُكْرَهُ تَحْرِيمًا أَنْ يَقْرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ , فَإِنْ قَرَأَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ فِي الْأَصَحِّ . قَالُوا : وَيَسْتَمِعُ الْمَأْمُومُ إذَا جَهَرَ الْإِمَامُ وَيُنْصِتُ إذَا أَسَرَّ , لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَرَأَ خَلْفَهُ قَوْمٌ , فَنَزَلَتْ ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ﴾ . قَالَ أَحْمَدُ : أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الصَّلَاةِ . قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنْ الْبَحْرِ : وَحَاصِلُ الْآيَةِ : أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِهَا أَمْرَانِ : الِاسْتِمَاعُ وَالسُّكُوتُ فَيُعْمَلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا , وَالْأَوَّلُ يُخَصُّ بِالْجَهْرِيَّةِ وَالثَّانِي لَا , فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ فَيَجِبُ السُّكُوتُ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ مُطْلَقًا . وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : لَا قِرَاءَةَ مَعَ الْإِمَامِ فِي شَيْءٍ . وَمَنْعُ الْمُؤْتَمِّ مِنْ الْقِرَاءَةِ مَأْثُورٌ عَنْ ثَمَانِينَ نَفَرًا مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ ; وَلِأَنَّ الْمَأْمُومَ مُخَاطَبٌ بِالِاسْتِمَاعِ إجْمَاعًا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَا يُنَافِيهِ , إذْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا , فَصَارَ نَظِيرَ الْخُطْبَةِ , فَإِنَّهُ لَمَّا أُمِرَ بِالِاسْتِمَاعِ لَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَخْطُبَ لِنَفْسِهِ بَلْ لَا يَجُوزُ , فَكَذَا هَذَا . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى الْمَأْمُومِ فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا سِرِّيَّةً كَانَتْ أَوْ جَهْرِيَّةً , لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : ﴿ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ﴾ , وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم : ﴿ لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ﴾ . وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى كَرَاهَةِ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ حَالَ جَهْرِ الْإِمَامِ , وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ حَالَ مَا إذَا كَانَ يَخَافُ فَوْتَ بَعْضِ الْفَاتِحَةِ . وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ إمَامَهُ لَا يَقْرَأُ السُّورَةَ أَوْ إلَّا سُورَةً قَصِيرَةً وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إتْمَامِ الْفَاتِحَةِ فَإِنَّهُ يَقْرَؤُهَا مَعَ الْإِمَامِ , وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَقْرَأَ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ أَوْ إذَا كَانَ لَا يَسْمَعُ الْإِمَامَ لِبُعْدِهِ أَوْ لِصَمَمٍ . قَالَ الْحَنَابِلَةُ : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ الْفَاتِحَةَ عَلَى الْمَذْهَبِ , وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : مُقْتَضَى نُصُوصِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ بِغَيْرِ الْفَاتِحَةِ أَفْضَلُ . قَالَ فِي جَامِعِ الِاخْتِيَارَاتِ : مُقْتَضَى هَذَا إنَّمَا يَكُونُ غَيْرُهَا أَفْضَلَ إذَا سَمِعَهَا وَإِلَّا فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا .

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ١٦٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ١٦٣٥