نَقْلُ ثَوَابِ الْقُرْبَةِ لِلْغَيْرِ : 9 - تَنْقَسِمُ الْقُرُبَاتُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : قِسْمٌ حَجَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ فِي ثَوَابِهِ , وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ نَقْلَهُ لِغَيْرِهِمْ , كَالْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ , فَلَوْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَهَبَ قَرِيبَهُ الْكَافِرَ إيمَانَهُ لِيَدْخُلَ الْجَنَّةَ دُونَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ , وَكَذَلِكَ هِبَةُ ثَوَابِ مَا سَبَقَ مَعَ بَقَاءِ الْأَصْلِ , لَا سَبِيلَ إلَيْهِ . وَقِسْمٌ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَذِنَ فِي نَقْلِ ثَوَابِهِ , وَهُوَ الْقُرُبَاتُ الْمَالِيَّةُ كَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ . وَقِسْمٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ , فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى جَوَازِ نَقْلِ ثَوَابِ مَا أَتَى بِهِ الْإِنْسَانُ مِنْ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ , يَقُولُ الْكَاسَانِيُّ : مَنْ صَامَ أَوْ صَلَّى أَوْ تَصَدَّقَ جَعَلَ ثَوَابَهُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ جَازَ , وَيَصِلُ ثَوَابُهُ إلَيْهِمْ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ , وَقَدْ وَرَدَ " عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ﴿ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ اشْتَرَى كَبْشَيْنِ عَظِيمَيْنِ سَمِينَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ , فَيَذْبَحَ أَحَدَهُمَا عَنْ أُمَّتِهِ مِمَّنْ شَهِدَ بِالتَّوْحِيدِ وَشَهِدَ لَهُ بِالْبَلَاغِ , وَذَبَحَ الْآخَرَ عَنْ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَآلِ مُحَمَّدٍ ﴾ وَوَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها ﴿ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : إنَّ أُمِّي اُفْتُلِتَتْ نَفْسُهَا , وَأَرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ , أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ , تَصَدَّقْ عَنْهَا ﴾ . قَالَ الْكَاسَانِيُّ : وَعَلَى ذَلِكَ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَى يَوْمِنَا هَذَا , مِنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَيْهَا , وَالتَّكْفِينِ وَالصَّدَقَاتِ وَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ , وَجَعْلِ ثَوَابِهَا لِلْأَمْوَاتِ . وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ : أَيْ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا الْإِنْسَانُ وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ نَفَعَهُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى : كَالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ , وَالصَّدَقَةِ وَالْوَاجِبَاتِ الَّتِي تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لَا يَجُوزُ نَقْلُ ثَوَابِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ إلَى الْغَيْرِ , وَلَا يَحْصُلُ شَيْءٌ مِنْ ثَوَابِ ذَلِكَ لِلْمَيِّتِ , لقوله تعالى ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلَّا مَا سَعَى ﴾ , وَقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : ﴿ إذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ : إلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ , أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ , أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ﴾ , وَيَجُوزُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ كَالصَّدَقَاتِ . وَمِثْلُ ذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْجُمْلَةِ , جَاءَ فِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ : تَنْفَعُ الْمَيِّتَ صَدَقَةٌ عَنْهُ , وَوَقْفٌ وَبِنَاءُ مَسْجِدٍ , وَحَفْرُ بِئْرٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَدُعَاءٌ لَهُ مِنْ وَارِثٍ وَأَجْنَبِيٍّ , وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ غَيْرُ ذَلِكَ كَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لَكِنْ حَكَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَالْأَذْكَارِ وَجْهًا , أَنَّ ثَوَابَ الْقِرَاءَةِ يَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ , وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ .
الْأَجْرُ عَلَى الْقُرُبَاتِ :