الثَّوَابُ عَلَى الْقُرُبَاتِ فَضْلٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى : 7 - يُثَابُ الْإِنْسَانُ وَيُعَاقَبُ عَلَى كَسْبِهِ وَاكْتِسَابِهِ , سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ بِتَسَبُّبٍ , يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ إنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ , وَقَالَ تَعَالَى ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلَّا مَا سَعَى ﴾ , أَيْ لَيْسَ لَهُ إلَّا جَزَاءُ سَعْيِهِ , وَقَالَ تَعَالَى ﴿ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلَّا عَلَيْهَا ﴾ , وَالْغَرَضُ بِالتَّكَالِيفِ تَعْظِيمُ الْإِلَهِ بِطَاعَتِهِ , وَاجْتِنَابُ مَعْصِيَتِهِ , وَذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِفَاعِلِيهِ . وَالثَّوَابُ عَلَى الْعَمَلِ فَضْلٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى , يَقُولُ الْكَاسَانِيُّ : الثَّوَابُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إنَّمَا هُوَ فَضْلٌ مِنْهُ , وَلَا اسْتِحْقَاقَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ , فَلَهُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَى عَمَلٍ لِأَجْلِهِ بِجَعْلِ الثَّوَابِ لَهُ , كَمَا لَهُ أَنْ يَتَفَضَّلَ بِإِعْطَاءِ الثَّوَابِ عَلَى غَيْرِ عَمَلٍ رَأْسًا .
أَثَرُ الْقَصْدِ فِي الثَّوَابِ عَلَى الْقُرْبَةِ : 8 - قَسَمَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَا يُثَابُ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مَا تَمَيَّزَ لِلَّهِ بِصُورَتِهِ , فَهَذَا يُثَابُ عَلَيْهِ مَهْمَا قَصَدَ إلَيْهِ , وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ الْقُرْبَةَ كَالْمَعْرِفَةِ وَالْإِيمَانِ وَالْأَذَانِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ . الْقِسْمُ الثَّانِي : مَا لَمْ يَتَمَيَّزْ مِنْ الطَّاعَاتِ لِلَّهِ بِصُورَتِهِ , فَهَذَا لَا يُثَابُ عَلَيْهِ إلَّا بِنِيَّتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : نِيَّةُ إيجَادِ الْفِعْلِ , وَالثَّانِيَةُ : نِيَّةُ التَّقَرُّبِ بِهِ إلَى اللَّهِ عَزَّ جَلَّ , فَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْ نِيَّةِ التَّقَرُّبِ أُثِيبَ عَلَى أَجْزَائِهِ الَّتِي لَا تَقِفُ عَلَى نِيَّةِ الْقُرْبَةِ كَالتَّسْبِيحَاتِ وَالتَّكْبِيرَاتِ وَالتَّهْلِيلَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي الصَّلَوَاتِ الْفَاسِدَةِ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : مَا شُرِعَ لِلْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَصَالِحُ الْأُخْرَوِيَّةُ إلَّا تَبَعًا , كَإِقْبَاضِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ , وَفُرُوضِ الْكِفَايَاتِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا الْمَصَالِحُ الدُّنْيَوِيَّةُ كَالصَّنَائِعِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا بَقَاءُ الْعَالَمِ , فَهَذَا لَا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ إذَا قَصَدَ إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الْقُرْبَةَ إلَى اللَّهِ عَزَّ جَلَّ . وَقَدْ يَقُومُ الْإِنْسَانُ بِعَمَلٍ وَيَسْتَوْفِي شُرُوطَهُ وَأَرْكَانَهُ , وَلَكِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ ثَوَابًا لِمَا يَقْتَرِنُ بِهِ مِنْ الْمَقَاصِدِ وَالنَّوَايَا , وَلِذَلِكَ يَقُولُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : ﴿ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ , وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى , فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ , وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ ﴾ . كَمَا قَدْ يُتْبِعُ الْإِنْسَانُ الْعَمَلَ الصَّحِيحَ بِمَا يُضَيِّعُ ثَوَابَهُ , وَمِنْ ذَلِكَ الْمَنُّ وَالْأَذَى يُبْطِلُ ثَوَابَ الصَّدَقَةِ , لقوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ﴾ . وَقَدْ يَعْمَلُ الْإِنْسَانُ الْعَمَلَ فَيُثَابُ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَقَعْ الْمَوْقِعَ الصَّحِيحَ , فَقَدْ وَرَدَ حَدِيثَانِ يُؤَيِّدَانِ هَذَا الْمَعْنَى , أَحَدُهُمَا : حَدِيثُ الْمُتَصَدِّقِ الَّذِي وَقَعَتْ صَدَقَتُهُ فِي يَدِ سَارِقٍ وَزَانِيَةٍ وَغَنِيٍّ وَفِي نِهَايَةِ الْحَدِيثِ ﴿ أَنَّ الرَّجُلَ أُتِيَ فَقِيلَ لَهُ : أَمَّا صَدَقَتُك عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ , وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا , وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَعْتَبِرَ فَيُنْفِقَ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ ﴾ . وَالْحَدِيثُ الثَّانِي : حَدِيثُ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ الَّذِي أَخَذَ صَدَقَةَ أَبِيهِ مِنْ الرَّجُلِ الَّذِي وُضِعَتْ عِنْدَهُ , وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : ﴿ لَك مَا نَوَيْت يَا يَزِيدُ وَلَك مَا أَخَذْت يَا مَعْنُ ﴾ , قَالَ ابْنُ حَجَرٍ : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نِيَّةَ الْمُتَصَدِّقِ إذَا كَانَتْ صَالِحَةً قُبِلَتْ صَدَقَتُهُ وَإِنْ لَمْ تَقَعْ الْمَوْقِعَ .