9 - اختلف الفقهاء في وقت بطلان طهارة صاحب العذر ، فذهب أبو حنيفة ومحمّد إلى أنّها تبطل بخروج الوقت ما لم يطرأ عليها في الوقت ناقض آخر ، ولو كان مماثلاً للعذر الأوّل ، كما لو سال أحد منخريه فتوضّأ له ، ثمّ سال الآخر في الوقت انتقض الوضوء بالثّاني ، لأنّه حدث جديد ، ولا عبرة بالمماثلة ، ولأنّ الحدث مبطل للطّهارة ، وعند الإمام أحمد تبطل بخروج الوقت كما تبطل بدخوله وهو ما ذهب إليه أبو يوسف من الحنفيّة فالحدث الآخر وخروج الوقت أو دخوله يبطلان طهارة صاحب العذر .
طروء العذر في أثناء العبادة :
10 - إذا تحقّق في المكلّف وجود العذر قبل الصّلاة يتوضّأ ويصلّي ، ويبقى طاهراً فيما بين الوقتين ، فيصلّي وإن استمرّ العذر معه في أثناء العبادة ، فلا تبطل عبادته ، لضرورة المرض الّذي يعدّ من الحدث المبتلى به .
أمّا إذا دخل الصّلاة صحيحاً سليماً ، ثمّ دهمه العذر في أثنائها وتأكّد لديه استمراره ، فهل ينقض وضوءه وتبطل صلاته أم لا ؟ اختلف الفقهاء في ذلك على النّحو التّالي :
11 – أوّلاً : إذا خرج ما يعذر به من أحد السّبيلين ، كان الخروج حدثاً يبطل الوضوء كما يبطل الصّلاة ، وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة الّذين قالوا : بوجوب الوضوء على أصحاب الأعذار لوقت كلّ صلاة ، سواء أكان العذر معتاداً ، لقوله صلى الله عليه وسلم للمستحاضة : » توضّئي لكلّ صلاة ، وصلّي وإن قطر الدّم على الحصير « ، ولما رواه البخاريّ عن عائشة رضي الله عنها قالت : » اعتكفت مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم امرأة من أزواجه ، فكانت ترى الدّم والصّفرة والطّست تحتها وهي تصلّي « ، أم كان غير معتاد ، لما رواه عليّ رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال في المذي : » يغسل ذكره ويتوضّأ « .
ولما روي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : في الودي الوضوء .
والمذي والودي غير معتادين ، وقد وجب فيهما الوضوء ، ولأنّهما خارجان من السّبيل فينقضان كالرّيح والغائط ، وذهب المالكيّة إلى أنّ الخارج من هذه الأشياء إذا كان معتاداً يبطل الوضوء والصّلاة ، أمّا إذا كان غير معتاد كسلس البول ، ولازمه نصف الزّمان فأكثر فإنّه لا ينقض وضوءه ، ولا يبطل صلاته إلاّ إذا كان أقلّ فينقض الوضوء ويبطل الصّلاة .
12 - ثانياً : إذا كان ما يعذر به خارجاً من غير السّبيلين كالدّم والقيح والرّعاف ، فإنّه ينقض الوضوء عند الحنفيّة ، ولا ينقض الوضوء عند المالكيّة والشّافعيّة ، وكذلك إن كان قليلاً عند الحنابلة ، أمّا إن كان كثيراً فإنّه ينقض الوضوء .
وتفصيل ذلك في مصطلح : ( رعاف ف 2 ) .
النّوع الثّاني : أعذار طارئة :
13 - هناك أعذار ترفع عن المكلّف الحرج ، وتدفع عنه الضّيق في عباداته وتكاليفه في أحواله كافّةً ، منها : ما هو متّفق عليه كالمرض مثلاً ، ومنها : ما هو مختلف فيه كالبرد والمطر والخوف .
فعند المالكيّة تكون شدّة الوحل عذراً لترك صلاة الجماعة والجمعة ، وكذلك شدّة الرّيح باللّيل لا بالنّهار ، كما يكون الخوف على مال من ظالم أو لصّ أو نار ، أو الخوف على العرض ، أو الدّين ، كأن يخاف قذف أحد من السّفهاء له ، أو إلزام قتل شخص أو ضربه ظلماً ، أو إلزام بيعة ظالم لا يقدر على مخالفته ، وكذلك الخوف من الحرّ أو البرد الشّديدين. وعند الشّافعيّة يعذر في ترك الجماعة في اللّيلة المطيرة ، واللّيلة الباردة ذات الرّيح ، والجمع بين الصّلاتين : المغرب والعشاء .
وعند الحنابلة يعذر في ترك الجمعة والجماعة الخائف من ضياع ماله ، كغلّة في بيادرها ، ودوابّ أنعام لا حافظ لها ، أو تلفه أو فواته ، كمن ضاع له كيس نقود وهو يرجو وجوده ، أو خائف من ضرر في ماله أو في معيشة يحتاج إليها ، وكذلك يعذر في ترك الجمعة والجماعة متأذّ بمطر شديد أو وحل أو ثلج ، أو جليد ، أو ريح باردة في ليلة مظلمة ، لقول ابن عمر رضي الله عنهما : » كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يأمر المؤذّن إذا كانت ليلة باردة ، أو ذات مطر في السّفر أن يقول : ألا صلّوا في رحالكم « .
وكذلك الخوف على ولده وأهله أن يضيعوا وكذلك يعذر عندهم عن صلاة الفرض وهو قادر على القيام للصّلاة على الرّاحلة واقفةً أو سائرةً خشية الأذى بوحل أو مطر ونحوه ، والجمع في الصّلاة بين المغرب والعشاء لمطر يبلّ الثّياب .
أمّا الحنفيّة فلم يعتبروا واحداً من هذه الأمور عذراً يبيح للمكلّف التّخلّف عن صلاة الجماعة في المسجد ، ولا عن صلاة الجمعة .
القسم الثّاني : أعذار عامّة تتّصل بأحكام العبادات :
14 - لقد بنى الإسلام أحكامه على اليسر والسّهولة ، فشرع ألواناً من الرّخص لظروف توجد للمكلّف نوعاً من المشقّة تثقل كاهله في القيام ببعض العبادات .
ومن أسباب هذه الرّخص :
أ - السّفر :
وهو السّفر الّذي تناط به الرّخص .
وتفصيله في مصطلح : ( سفر ف 6 وما بعدها ) .
وهي في الجملة كما يلي :
قصر الصّلاة وجمعها :
15 - أجمع الفقهاء على مشروعيّة قصر الصّلاة في السّفر ، وذهب جمهورهم إلى أنّ السّفر من الأعذار المبيحة لجمع الصّلوات .
وتفصيل ذلك في مصطلح : ( صلاة المسافر ) .
جواز الفطر في رمضان :
16 - اتّفق الفقهاء على أنّ السّفر بشروطه من الأعذار المبيحة للفطر في رمضان .
وتفصيل ذلك في مصطلح : ( صوم ) .
امتداد مدّة المسح على الخفّين :
17 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ السّفر يطيل مدّة المسح على الخفّين إلى ثلاثة أيّام بلياليها .
وتفصيل ذلك في مصطلح : ( مسح على الخفّين ) .
سقوط وجوب الجمعة :