تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وشرطه : نيّة عدم الإقامة المدّة القاطعة للسّفر ، ولذلك يعتبر مسافراً بهذه النّيّة وإن طال مقامه ؛ لما روي « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أقام بتبوك عشرين ليلةً يقصر الصّلاة » ، وروي عن سعد بن أبي وقّاص - رضي الله عنه - أنّه أقام بقرية من قرى نيسابور شهرين وكان يقصر الصّلاة .

إلاّ أنّ هذا الحكم ليس متّفقاً عليه بين المذاهب على تفصيل سيأتي بيانه .

ما ينتقض به وطن السّكنى :

9 - وطن السّكنى ينتقض بالوطن الأصليّ وبوطن الإقامة ؛ لأنّهما فوقه ، وينتقض بوطن السّكنى ؛ لأنّه مثله ، وينتقض بالسّفر ؛ لأنّ توطّنه في هذا المقام ليس للقرار ، ولكن لحاجة، فإذا سافر منه يستدلّ به على انقضاء حاجته ، فصار معرضاً عن التّوطّن به ، فصار ناقضاً له .

هذا ، والفقيه الجليل أبو أحمد العياضيّ قسّم الوطن إلى قسمين : أحدهما : وطن قرار والآخر : مستعار .

صيرورة المقيم مسافراً وشرائطها :

10 - يصير المقيم مسافراً إذا تحقّقت الشّرائط الآتية :

الشّريطة الأولى : الخروج من المقام ، أي موطن إقامته ، وهو أن يجاوز عمران بلدته ويفارق بيوتها ، ويدخل في ذلك ما يعدّ منه عرفاً كالأبنية المتّصلة ، والبساتين المسكونة ، والمزارع ، والأسوار ، وذلك على تفصيل بين المذاهب سيأتي بيانه .

ولا بدّ من اقتران النّيّة بالفعل ؛ لأنّ السّفر الشّرعيّ لا بدّ فيه من نيّة السّفر كما تقدّم ، ولا تعتبر النّيّة إلاّ إذا كانت مقارنةً للفعل ، وهو الخروج ؛ لأنّ مجرّد قصد الشّيء من غير اقتران بالفعل يسمّى عزماً ، ولا يسمّى نيّةً ، وفعل السّفر لا يتحقّق إلاّ بعد الخروج من المصر ، فما لم يخرج لا يتحقّق قران النّيّة بالفعل ، فلا يصير مسافراً .

الشّريطة الثّانية : نيّة مسافة السّفر ، فلكي يصير المقيم مسافراً لا بدّ أن ينوي سير مسافة السّفر الشّرعيّ ؛ لأنّ السّير قد يكون سفراً وقد لا يكون ، فالإنسان قد يخرج من موطن إقامته إلى موضع لإصلاح ضيعة ، ثمّ تبدو له حاجة أخرى إلى المجاوزة عنه إلى موضع آخر ، وليس بينهما مدّة سفر ، ثمّ يتجاوز ذلك إلى مكان آخر ، وهكذا إلى أن يقطع مسافةً بعيدةً أكثر من مدّة السّفر ، ولذلك لا بدّ من نيّة مدّة السّفر للتّمييز .

وعلى هذا قالوا : أمير خرج مع جيشه في طلب العدوّ ، ولم يعلم أين يدركهم فإنّهم يصلّون صلاة المقيم في الذّهاب ، وإن طالت المدّة ، وكذلك لو طاف الدّنيا من غير قصد إلى قطع المسافة فلا يعدّ مسافراً ، ولا يترخّص .

تحديد أقلّ مسافة السّفر بالأيّام :

11 - أقلّ هذه المسافة مقدّر عند عامّة العلماء ، ولكنّهم اختلفوا في التّقدير .

فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة واللّيث والأوزاعيّ : إلى أنّ أقلّ مدّة السّفر مسيرة يومين معتدلين بلا ليلة ، أو مسيرة ليلتين معتدلتين بلا يوم ، أو مسيرة يوم وليلة .

وذلك ؛ لأنّهم قدّروا السّفر بالأميال ، واعتبروا ذلك ثمانيةً وأربعين ميلاً ، وذلك أربعة برد ، وتقدّر بسير يومين معتدلين .

واستدلّوا بأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « يا أهل مكّة : لا تقصروا الصّلاة في أدنى من أربعة برد ، من مكّة إلى عسفان » ولأنّ ابن عمر وابن عبّاس كانا يقصران ويفطران في أربعة برد فما فوقها ، ولا يعرف لهما مخالف ، وأسنده البيهقيّ بسند صحيح ، مثل هذا لا يكون إلاّ عن توقيف ، وعلّقه البخاريّ بصيغة الجزم ، وقال الأثرم : قيل لأبي عبد اللّه : في كم تقصر الصّلاة ؟ قال : في أربعة برد ، قيل له : مسيرة يوم تامّ ؟ قال : لا ، أربعة برد : ستّة عشر فرسخاً : مسيرة يومين . وقد قدّره ابن عبّاس من عسفان إلى مكّة مستدلّاً بالحديث السّابق .

وذهب الحنفيّة إلى أنّ أقلّ مسافة السّفر مسيرة ثلاثة أيّام ولياليها ، لما روي عن عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - « أنّه سئل عن المسح على الخفّين فقال : جعل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيّام ولياليهنّ للمسافر ويوماً وليلةً للمقيم » ، فقد جعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم لكلّ مسافر أن يمسح ثلاثة أيّام ولياليها ، ولن يتصوّر أن يمسح المسافر ثلاثة أيّام ولياليها ، ومدّة السّفر أقلّ من هذه المدّة . وكذلك قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يحلّ لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تسافر مسيرة ثلاث ليال إلاّ ومعها محرم » ، فلو لم تكن المدّة مقدّرةً بالثّلاث لم يكن لتخصيص الثّلاث معنى .

وقد استحبّ ذلك الإمام الشّافعيّ للخروج من الخلاف .

والعبرة بالسّير هو السّير الوسط ، وهو سير الإبل المثقلة بالأحمال ، ومشي الأقدام على ما يعتاد من ذلك ، مع ما يتخلّله من نزول واستراحة وأكل وصلاة .

ويحترز بالسّير الوسط عن السّير الأسرع ، كسير الفرس والبريد ، وعن السّير الأبطأ ، كسير البقر يجرّ العجلة ، فاعتبر الوسط ؛ لأنّه الغالب .

والسّير في البحر يراعى فيه اعتدال الرّياح ؛ لأنّه هو الوسط ، وهو ألاّ تكون الرّياح غالبةً ولا ساكنةً ، ويعتبر في الجبل ما يليق به ، فينظر كم يسير في مثل هذا مسافة القصر فيجعل أصلاً ، وذلك معلوم عند النّاس فيرجع إليهم عند الاشتباه .

سلوك أحد طريقين مختلفين لغاية واحدة :

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ١٤٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ١٤٤٥