تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قالوا : إذا أكره الصّائم بالقتل على الفطر ، بتناول الطّعام في شهر رمضان ، وهو صحيح مقيم ، فمرخّص له به ، والصّوم أفضل ، حتّى لو امتنع من الإفطار حتّى قتل ، يثاب عليه ، لأنّ الوجوب ثابت حالة الإكراه ، وأثر الرّخصة في الإكراه هو سقوط المأثم بالتّرك ، لا في سقوط الوجوب ، بل بقي الوجوب ثابتاً ، والتّرك حراماً ، وإذا كان الوجوب ثابتاً ، والتّرك حراماً ، كان حقّ اللّه تعالى قائماً ، فهو بالامتناع بذل نفسه لإقامة حقّ اللّه تعالى ، طلباً لمرضاته ، فكان مجاهداً في دينه ، فيثاب عليه .

وأمّا إذا كان المكره مريضاً أو مسافراً ، فالإكراه - كما يقول الكاسانيّ - حينئذ مبيح مطلق، في حقّ كلّ منهما ، بل موجب ، والأفضل هو الإفطار ، بل يجب عليه ذلك ، ولا يسعه أن لا يفطر ، حتّى لو امتنع من ذلك ، فقتل ، يأثم . ووجه الفرق : أنّ في الصّحيح المقيم كان الوجوب ثابتاً قبل الإكراه من غير رخصة التّرك أصلاً ، فإذا جاء الإكراه - وهو سبب من أسباب الرّخصة - كان أثره في إثبات رخصة التّرك ، لا في إسقاط الوجوب .

وأمّا في المريض والمسافر ، فالوجوب مع رخصة التّرك ، كان ثابتاً قبل الإكراه ، فلا بدّ أن يكون للإكراه أثر آخر لم يكن ثابتاً قبله ، وليس ذلك إلاّ إسقاط الوجوب رأساً ، وإثبات الإباحة المطلقة ، فنزل منزلة الإكراه على أكل الميتة ، وهناك يباح له الأكل ، بل يجب عليه، فكذا هنا .

وفرّق الشّافعيّة بين الإكراه على الأكل أو الشّرب ، وبين الإكراه على الوطء : فقالوا في الإكراه على الأكل : لو أكره حتّى أكل أو شرب لم يفطر ، كما لو أوجر في حلقه مكرهاً ، لأنّ الحكم الّذي ينبني على اختياره ساقط لعدم وجود الاختيار .

أمّا لو أكره على الوطء زنىً ، فإنّه لا يباح بالإكراه ، فيفطر به ، بخلاف وطء زوجته . واعتمد العزيزيّ الإطلاق ، ووجّهه بأنّ عدم الإفطار ، لشبهة الإكراه ، على الوطء ، والحرمة من جهة الوطء ، فعلى هذا يكون الإكراه على الإفطار مطلقاً بالوطء والأكل والشّرب ، إذا فعله المكره لا يفطر به ، ولا يجب عليه القضاء إلاّ في الإكراه على الإفطار بالزّنى ، فإنّ فيه وجهاً بالإفطار والقضاء عندهم .

وهذا الإطلاق عند الشّافعيّة ، هو مذهب الحنابلة أيضاً : فلو أكره على الفعل ، أو فعل به ما أكره عليه ، بأن صبّ في حلقه ، مكرهاً أو نائماً ، كما لو أوجر المغمى عليه معالجةً ، لا يفطر ، ولا يجب عليه القضاء ، لحديث : » وما استكرهوا عليه « .

ملحقات بالعوارض :

67 - يمكن إلحاق ما يلي ، من الأعذار ، بالعوارض الّتي ذكرها الفقهاء ، وأقرّوها وأفردوا لها أحكاماً كلّما عرضت في الصّوم ، كالحيض والنّفاس والإغماء والجنون والسّكر والنّوم والرّدّة والغفلة .

وأحكامهما تنظر في مصطلحاتها .

ما يفسد الصّوم ويوجب القضاء والكفّارة :

أوّلاً : الجماع عمداً :

68 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ جماع الصّائم في نهار رمضان عامداً مختاراً بأن يلتقي الختانان وتغيب الحشفة في أحد السّبيلين مفطر يوجب القضاء والكفّارة ، أنزل أو لم ينزل . وفي قول ثان للشّافعيّة لا يجب القضاء ، لأنّ الخلل انجبر بالكفّارة .

وفي قول ثالث لهم : إن كفّر بالصّوم دخل فيه القضاء ، وإلاّ فلا يدخل فيجب القضاء .

وعند الحنابلة : إذا جامع في نهار رمضان - بلا عذر - آدميّاً أو غيره حيّاً أو ميّتاً أنزل أم لا فعليه القضاء والكفّارة ، عامداً كان أو ساهياً ، أو جاهلاً أو مخطئاً ، مختاراً أو مكرهاً ، وهذا لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : » بينما نحن جلوس عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل ، فقال : يا رسول اللّه ، هلكت ، قال : ما لك ؟ قال : وقعت على امرأتي وأنا صائم ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هل تجد رقبةً تعتقها ؟ قال : لا . قال : فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال : لا . قال : فهل تجد إطعام ستّين مسكيناً ؟ قال : لا . قال : فمكث النّبيّ صلى الله عليه وسلم فبينا نحن على ذلك ، أتي النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعرَقٍ فيها تمر ، قال : أين السّائل ؟ فقال : أنا ، قال : خذ هذا فتصدّق به ، فقال الرّجل : على أفقر منّي يا رسول اللّه ، فواللّه ما بين لابتيها - يريد الحرّتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي ، فضحك النّبيّ صلى الله عليه وسلم حتّى بدت أنيابه ، ثمّ قال : أطعمه أهلك « .

ولا خلاف في فساد صوم المرأة بالجماع لأنّه نوع من المفطرات ، فاستوى فيه الرّجل والمرأة . وإنّما الخلاف في وجوب الكفّارة عليها :

فمذهب أبي حنيفة ومالك وقول للشّافعيّ ، ورواية عن أحمد وهي المذهب عند الحنابلة ، وجوب الكفّارة عليها أيضاً ، لأنّها هتكت صوم رمضان بالجماع فوجبت عليها كالرّجل . وعلّل الحنفيّة وجوبها عليها ، بأنّ السّبب في ذلك هو جناية الإفساد ، لا نفس الوقاع ، وقد شاركته فيها ، وقد استويا في الجناية ، والبيان في حقّ الرّجل بيان في حقّ المرأة ، فقد وجد فساد صوم رمضان بإفطار كامل حرام محض متعمّد ، فتجب الكفّارة عليها بدلالة النّصّ، ولا يتحمّل الرّجل عنها ، لأنّ الكفّارة عبادة أو عقوبة ، ولا يجري فيها التّحمّل . وفي قول للشّافعيّ وهو الأصحّ ، ورواية أخرى عن أحمد : أنّه لا كفّارة عليها ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر الواطئ في رمضان أن يعتق رقبةً ، ولم يأمر المرأة بشيء ، مع علمه بوجود ذلك منها . ولأنّ الجماع فعله ، وإنّما هي محلّ الفعل .

وفي قول للشّافعيّة : تجب ، ويتحمّلها الرّجل .

وروي عن أحمد : أنّ الزّوج تلزمه كفّارة واحدة عنهما ، وضعّفها بعض الحنابلة بأنّ الأصل عدم التّداخل .

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ١٣٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ١٣٩٢