وفرّق قاضي خان ، بين الإدخال قصداً فأفسد به الصّوم ، وبين الدّخول فلم يفسده به ، وهذا الّذي صحّحوه ، لأنّ الماء يضرّ الدّماغ ، فانعدم الإفساد صورةً ومعنىً .
فالاتّفاق عند الحنفيّة على الفطر بصبّ الدّهن ، وعلى عدمه بدخول الماء ، والاختلاف في التّصحيح في إدخاله .
و - مداواة الآمّة والجائفة والجراح :
50 - الآمّة : جراحة في الرّأس ، والجائفة : جراحة في البطن .
والمراد بهذا - كما يقول الكاسانيّ - ما يصل إلى الجوف من غير المخارق الأصليّة .
فإذا داوى الصّائم الآمّة أو الجراح ، فمذهب الجمهور - بوجه عامّ - فساد الصّوم ، إذا وصل الدّواء إلى الجوف .
قال النّوويّ : لو داوى جرحه فوصل الدّواء إلى جوفه أو دماغه أفطر عندنا سواء أكان الدّواء رطباً أم يابساً .
وعلّله الحنابلة بأنّه أوصل إلى جوفه شيئاً باختياره ، فأشبه ما لو أكل .
قال المرداويّ : وهذا هو المذهب ، وعليه الأصحاب .
وعلّله الحنفيّة - مع نصّهم على عدم التّفرقة بين الدّواء الرّطب وبين الدّواء اليابس - بأنّ بين جوف الرّأس وجوف المعدة منفذاً أصليّاً ، فمتى وصل إلى جوف الرّأس ، يصل إلى جوف البطن .
أمّا إذا شكّ في وصول الدّواء إلى الجوف ، فعند الحنفيّة بعض التّفصيل والخلاف : فإن كان الدّواء رطباً ، فعند أبي حنيفة الظّاهر هو الوصول ، لوجود المنفذ إلى الجوف ، وهو السّبب، فيبنى الحكم على الظّاهر ، وهو الوصول عادةً ، وقال الصّاحبان : لا يفطر ، لعدم العلم به ، فلا يفطر بالشّكّ ، فهما يعتبران المخارق الأصليّة ، لأنّ الوصول إلى الجوف من المخارق الأصليّة متيقّن به ، ومن غيرها مشكوك به ، فلا نحكم بالفساد مع الشّكّ .
وأمّا إذا كان الدّواء يابساً ، فلا فطر اتّفاقاً ، لأنّه لم يصل إلى الجوف ولا إلى الدّماغ .
لكن قال البابرتيّ : وأكثر مشايخنا على أنّ العبرة بالوصول ، حتّى إذا علم أنّ الدّواء اليابس وصل إلى جوفه ، فسد صومه ، وإن علم أنّ الرّطب لم يصل إلى جوفه ، لم يفسد صومه عنده ، إلاّ أنّه ذكر الرّطب واليابس بناءً على العادة .
وإذا لم يعلم يقيناً فسد عند أبي حنيفة ، نظراً إلى العادة ، لا عندهما .
ومذهب المالكيّة عدم الإفطار بمداواة الجراح ، وهو اختيار الشّيح تقيّ الدّين .
قال المرداويّ : واختار الشّيخ تقيّ الدّين عدم الإفطار بمداواة جائفة ومأمومة .
قال ابن جزيّ : أمّا دواء الجرح بما يصل إلى الجوف ، فلا يفطر .
وقال الدّردير ، معلّلاً عدم الإفطار بوضع الدّهن على الجائفة ، والجرح الكائن في البطن الواصل للجوف : لأنّه لا يصل لمحلّ الطّعام والشّراب ، وإلاّ لمات من ساعته .
ز - الاحتقان :
51 - الاحتقان : صبّ الدّواء أو إدخال نحوه في الدّبر .
وقد يكون بمائع أو بغيره : فالاحتقان بالمائع من الماء - وهو الغالب - أو غير الماء ، يفسد الصّوم ويوجب القضاء ، فيما ذهب إليه الجمهور ، وهو مشهور مذهب المالكيّة ، ومنصوص خليل ، وهو معلّل بأنّه يصل به الماء إلى الجوف من منفذ مفتوح ، وبأنّ غير المعتاد كالمعتاد في الواصل ، وبأنّه أبلغ وأولى بوجوب القضاء من الاستعاط استدراكاً للفريضة الفاسدة .
ولا تجب الكفّارة ، لعدم استكمال الجناية على الصّوم صورةً ومعنىً ، كما هو سبب الكفّارة ، بل هو لوجود معنى الفطر ، وهو وصول ما فيه صلاح البدن إلى الجوف ، دون صورته ، وهو الوصول من الفم دون ما سواه .
واستدلّ المرغينانيّ وغيره للإفطار بالاحتقان وغيره ، كالاستعاط والإفطار ، بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها : إنّما الإفطار ممّا دخل ، وليس ممّا خرج .
وقول ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما : الفطر ممّا دخل ، وليس ممّا يخرج .
أمّا الاحتقان بالجامد ، ففيه بعض الخلاف :
فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ ما يدخل إلى الجوف من الدّبر بالحقنة يفطر ، لأنّه واصل إلى الجوف باختياره ، فأشبه الأكل .
كذلك دخول طرف أصبع في المخرج حال الاستنجاء يفطر ، قال النّوويّ : لو أدخل الرّجل أصبعه أو غيرها دبره ، وبقي البعض خارجاً ، بطل الصّوم ، باتّفاق أصحابنا .
وذهب الحنفيّة إلى أنّ تغييب القطن ونحوه من الجوامد الجافّة ، يفسد الصّوم ، وعدم التّغييب لا يفسده ، كما لو بقي طرفه خارجاً ، لأنّ عدم تمام الدّخول كعدم دخول شيء بالمرّة ، كإدخال الأصبع غير المبلولة ، أمّا المبلولة بالماء والدّهن فيفسده .
وخصّ المالكيّة الإفطار وإبطال الصّوم ، بالحقنة المائعة نصّاً .
وقالوا : احترز " خليل " بالمائع عن الحقنة بالجامد ، فلا قضاء فيها ، ولا في فتائل عليها دهن لخفّتها .
وفي المدوّنة ، قال ابن القاسم : سئل مالك عن الفتائل تجعل للحقنة ؟ قال مالك : أرى ذلك خفيفاً ، ولا أرى عليه فيه شيئاً ، قال مالك : وإن احتقن بشيء يصل إلى جوفه ، فأرى عليه القضاء ، قال ابن القاسم : ولا كفّارة عليه .
ويبدو مع ذلك تلخيصاً ، أنّ للمالكيّة في الحقنة أربعة أقوال :
أحدها : وهو المشهور المنصوص عليه في مختصر خليل : الإفطار بالحقنة المائعة .
الثّاني : أنّ الحقنة تفطر مطلقاً .
الثّالث : أنّها لا تفطر ، واستحسنه اللّخميّ ، لأنّ ذلك لا يصل إلى المعدة ، ولا موضع يتصرّف منه ما يغذّي الجسم بحال .
الرّابع : أنّ استعمال الحقنة مكروه .
قال ابن حبيب : وكان من مضى من السّلف وأهل العلم يكرهون التّعالج بالحقن إلاّ من ضرورة غالبة ، لا توجد عن التّعالج بها مندوحة ، فلهذا استحبّ قضاء الصّوم باستعمالها . ح - الحقنة المتّخذة في مسالك البول :
ويعبّر عن هذا الشّافعيّة بالتّقطير ، ولا يسمّونه احتقاناً وفيه هذا التّفصيل :