ولو أمنى في أداء رمضان بتعمّد نظرة واحدة يفسد صومه ويجب القضاء ، وفي وجوب الكفّارة وعدمه تأويلان ، محلّهما إذا كانت عادته الإنزال بمجرّد النّظر ، وإلاّ فلا كفّارة اتّفاقاً.
وقال الأذرعيّ من الشّافعيّة ، وتبعه شيخ القليوبيّ ، والرّمليّ : يفطر إذا علم الإنزال بالفكر والنّظر ، وإن لم يكرّره .
ومذهب الحنابلة ، التّفرقة بين النّظر وبين الفكر ، ففي النّظر ، إذا أمنى يفسد الصّوم ، لأنّه أنزل بفعل يتلذّذ به ، ويمكن التّحرّز منه ، فأفسد الصّوم ، كالإنزال باللّمس ، والفكر لا يمكن التّحرّز منه ، بخلاف النّظر .
ولو أمذى بتكرار النّظر ، فظاهر كلام أحمد لا يفطر به ، لأنّه لا نصّ في الفطر به ، ولا يمكن قياسه على إنزال المنيّ ، لمخالفته إيّاه في الأحكام ، فيبقى على الأصل .
وإذا لم يكرّر النّظر لا يفطر ، سواء أمنى أو أمذى ، وهو المذهب ، لعدم إمكان التّحرّز ، ونصّ أحمد : يفطر بالمنيّ لا بالمذي .
أمّا الفكر ، فإنّ الإنزال به لا يفسد الصّوم . واختار ابن عقيل : الإفساد به ، لأنّ الفكر يدخل تحت الاختيار ، لكن جمهورهم استدلّوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه : » إنّ اللّه تجاوز لأمّتي عمّا وسوست أو حدّثت به أنفسها ، ما لم تعمل به أو تكلّم « .
ولأنّه لا نصّ في الفطر به ولا إجماع ، ولا يمكن قياسه على المباشرة ولا تكرار النّظر ، لأنّه دونهما في استدعاء الشّهوة ، وإفضائه إلى الإنزال .
ثالثاً : المعالجات ونحوها ، وهي أنواع أهمّها :
أ - الاستعاط :
45 - الاستعاط : افتعال من السّعوط ، مثال رسول : دواء يصبّ في الأنف ، والاستعاط والإسعاط عند الفقهاء : إيصال الشّيء إلى الدّماغ من الأنف .
وإنّما يفسد الاستعاط الصّوم ، بشرط أن يصل الدّواء إلى الدّماغ ، والأنف منفذ إلى الجوف ، فلو لم يصل إلى الدّماغ لم يضرّ ، بأن لم يجاوز الخيشوم ، فلو وضع دواءً في أنفه ليلاً ، وهبط نهاراً ، فلا شيء عليه .
ولو وضعه في النّهار ، ووصل إلى دماغه أفطر ، لأنّه واصل إلى جوف الصّائم باختياره فيفطّره كالواصل إلى الحلق ، والدّماغ جوف - كما قرّروا - والواصل إليه يغذّيه ، فيفطّره، كجوف البدن .
والواجب فيه القضاء لا الكفّارة ، هذا هو الأصحّ ، لأنّ الكفّارة موجب الإفطار صورةً ومعنىً، والصّورة هي الابتلاع ، وهي منعدمة ، والنّفع المجرّد عنها يوجب القضاء فقط . وهذا الحكم لا يخصّ صبّ الدّواء ، بل لو استنشق الماء ، فوصل إلى دماغه أفطر عند الحنفيّة .
ب - استعمال البخور :
46 - ويكون بإيصال الدّخان إلى الحلق ، فيفطر ، أمّا شمّ رائحة البخور ونحوه بلا وصول دخانه إلى الحلق فلا يفطر ولو جاءته الرّائحة واستنشقها ، لأنّ الرّائحة لا جسم لها .
فمن أدخل بصنعه دخاناً حلقه ، بأيّة صورة كان الإدخال ، فسد صومه ، سواء أكان دخان عنبر أم عود أم غيرهما ، حتّى من تبخّر بعود ، فآواه إلى نفسه ، واشتمّ دخانه ، ذاكراً لصومه ، أفطر ، لإمكان التّحرّز من إدخال المفطر جوفه ودماغه .
قال الشرنبلالي : هذا ممّا يغفل عنه كثير من النّاس ، فلينبّه له ، ولا يتوهّم أنّه كشمّ الورد والمسك ، لوضوح الفرق بين هواء تطيّب بريح المسك وشبهه ، وبين جوهر دخان وصل إلى جوفه بفعله
ج - بخار القدر :
47 - بخار القدر ، متى وصل للحلق باستنشاق أوجب القضاء ، لأنّ دخان البخور وبخار القدر كلّ منهما جسم يتكيّف به الدّماغ ، ويتقوّى به ، أي تحصل له قوّة كالّتي تحصل من الأكل ، أمّا لو وصل واحد منهما للحلق بغير اختياره فلا قضاء عليه .
هذا بخلاف دخان الحطب ، فإنّه لا قضاء في وصوله للحلق ، ولو تعمّد استنشاقه ، لأنّه لا يحصل للدّماغ به قوّة كالّتي تحصل له من الأكل .
وقال الشّافعيّة : لو فتح فاه عمداً حتّى دخل الغبار في جوفه ، لم يفطر على الأصحّ . ومذهب الحنابلة الإفطار بابتلاع غربلة الدّقيق وغبار الطّريق ، إن تعمّده .
د - التّدخين :
48 - اتّفق الفقهاء على أنّ شرب الدّخان المعروف أثناء الصّوم يفسد الصّيام ، لأنّه من المفطرات .
وتفصيل ذلك ينظر في مصطلح : ( تبغ ، الموسوعة الفقهيّة 10 فقرة 30 ) .
هـ – التّقطير في الأذن :
49 – ذهب جمهور الفقهاء ، وهو الأصحّ عند الشّافعيّة إلى فساد الصّوم بتقطير الدّواء أو الدّهن أو الماء في الأذن .
فقال المالكيّة : يجب الإمساك عمّا يصل إلى الحلق ، ممّا ينماع أو لا ينماع .
والمذهب : أنّ الواصل إلى الحلق مفطّر ولو لم يجاوزه ، إن وصل إليه ، ولو من أنف أو أذن أو عين نهاراً .
وتوجيهه عندهم : أنّه واصل من أحد المنافذ الواسعة في البدن ، وهي : الفم والأنف والأذن، وأنّ كلّ ما وصل إلى المعدة من منفذ عال ، موجب للقضاء ، سواء أكان ذلك المنفذ واسعاً أم ضيّقاً . وأنّه لا تفرقة عندهم ، بين المائع وبين غيره في الواصل إلى المعدة من الحلق . وقال النّوويّ : لو صبّ الماء أو غيره في أذنيه ، فوصل دماغه أفطر على الأصحّ عندنا ، ولم ير الغزاليّ الإفطار بالتّقطير في الأذنين .
وقال البهوتيّ : إذا قطّر في أذنه فوصل إلى دماغه فسد صومه ، لأنّ الدّماغ أحد الجوفين ، فالواصل إليه يغذّيه ، فأفسد الصّوم .
والحنفيّة قالوا : بفساد الصّوم بتقطير الدّواء والدّهن في الأذن ، لأنّ فيه صلاحاً لجزء من البدن ، فوجد إفساد الصّوم معنىً .
واختلف الحنفيّة في تقطير الماء في الأذن : فاختار المرغينانيّ في الهداية - وهو الّذي صحّحه غيره - عدم الإفطار به مطلقاً ، دخل بنفسه أو أدخله .