ويجب كذلك أن لا يهوي لغير السّجود ، فلو سقط لوجهه من الاعتدال وجب العود إلى الاعتدال ليهوي منه ، لانتفاء الهويّ في السّقوط . وإن سقط من الهويّ لم يلزمه العود بل يحسب ذلك سجوداً .
ويجب أيضاً أن ترتفع أسافله - عجيزته وما حولها - على أعاليه لخبر « صلّوا كما رأيتموني أصلّي » فلا يكتفي برفع أعاليه على أسافله ولا بتساويهما ، لعدم اسم السّجود كما لو أكبّ ومدّ رجليه ، إلاّ إن كان به علّة لا يمكنه السّجود إلاّ كذلك فيصحّ ، فإن أمكنه السّجود على وسادة بتنكيس لزمه ، لحصول هيئة السّجود بذلك ، ولا يلزمه بلا تنكيس . وإذا صلّى في سفينة مثلاً ولم يتمكّن من ارتفاع ذلك لميلانها صلّى على حاله ولزمه الإعادة، لأنّ هذا عذر نادر .
وذهب الحنابلة إلى أنّ السّجود على الأعضاء السّبعة : الجبهة مع الأنف ، واليدين ، والرّكبتين ، والقدمين ، ركن مع القدرة ، لحديث ابن عبّاس مرفوعاً « أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة - وأشار بيده إلى أنفه - واليدين ، والرّكبتين ، وأطراف القدمين » ولقوله صلى الله عليه وسلم : « إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب : وجهه ، وكفّاه ، وركبتاه ، وقدماه » .
ثمّ إنّه يجزئ بعض كلّ عضو في السّجود عليه ، لأنّه لم يقيّد في الحديث الكلّ ، ولو كان سجوده على ظهر كفّ ، وظهر قدم ، وأطراف أصابع يدين ، ولا يجزئه إن كان بعضها فوق بعض كوضع جبهته على يديه ، لأنّه يفضي إلى تداخل أعضاء السّجود .
ومتى عجز المصلّي عن السّجود بجبهته سقط عنه لزوم باقي الأعضاء ، لأنّ الجبهة هي الأصل في السّجود ، وغيرها تبع لها ، فإذا سقط الأصل سقط التّبع ، ودليل التّبعيّة ، ما روى ابن عمر - رضي الله عنهما - أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إنّ اليدين تسجدان كما يسجد الوجه ، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه ، وإذا رفعه فليرفعهما » وباقي الأعضاء مثلهما في ذلك لعدم الفارق ، وأمّا إن قدر على السّجود بالجبهة فإنّه يتبعها الباقي من الأعضاء ، وصرّحوا بأنّه لا يجزئ السّجود مع عدم استعلاء الأسافل إن خرج عن صفة السّجود ، لأنّه لا يعدّ ساجداً ، وأمّا الاستعلاء اليسير فلا بأس به - بأن علا موضع رأسه على موضع قدميه بلا حاجة يسيراً - ويكره الكثير .
ح - الجلوس بين السّجدتين :
23 - من أركان الصّلاة الجلوس بين السّجدتين ، سواء أكان في صلاة الفرض أم النّفل ، « لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته : ثمّ ارفع حتّى تطمئنّ جالساً » ولحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت : « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من السّجدة لم يسجد حتّى يستوي جالساً » .
وزاد المالكيّة والحنابلة قبل هذا الرّكن ركناً آخر وهو الرّفع من السّجود .
وما سبق من نفي أكثر المالكيّة الاعتدال من الرّكوع يجري أيضاً في الاعتدال من السّجود .
وقد صرّح المالكيّة بصحّة صلاة من لم يرفع يديه عن الأرض حال الجلوس بين السّجدتين .
وذهب الشّافعيّة إلى أنّه يجب أن لا يقصد برفعه غير الجلوس ، كما في الرّكوع . فلو رفع فزعاً من شيء لم يكف ، ويجب أن يعود إلى السّجود .
وهذا هو مذهب الحنابلة أيضاً ، قالوا : ويشترط في نحو ركوع وسجود ورفع منهما : أن لا يقصد غيره ، فلو ركع أو سجد ، أو رفع خوفاً من شيء لم يجزئه ، كما لا يشترط أن يقصده، اكتفاءً بنيّة الصّلاة المستصحب حكمها .
قال الشّيخ الرّحيبانيّ : بل لا بدّ من قصد ذلك وجوباً .
ط - الجلوس للتّشهّد الأخير :
24 - وهو ركن عند الشّافعيّة والحنابلة ، لمداومة الرّسول صلى الله عليه وسلم عليه ، وقوله صلى الله عليه وسلم : « صلّوا كما رأيتموني أصلّي » ولأنّ التّشهّد فرض والجلوس له محلّه فيتبعه .
وذهب المالكيّة : إلى أنّ الرّكن هو الجلوس للسّلام فقط . فالجزء الأخير من الجلوس الّذي يوقع فيه السّلام فرض ، وما قبله سنّة ، وعليه فلو رفع رأسه من السّجود واعتدل جالساً وسلّم كان ذلك الجلوس هو الواجب ، وفاتته السّنّة ، ولو جلس ثمّ تشهّد ، ثمّ سلّم كان آتياً بالفرض والسّنّة ، ولو جلس وتشهّد ثمّ استقلّ قائماً وسلّم كان آتياً بالسّنّة تاركاً للفرض .
ى - التّشهّد الأخير :
25 - ويقول بركنيّته الشّافعيّة والحنابلة لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إذا قعد أحدكم في الصّلاة فليقل : التّحيّات للّه ... » .
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال : « كنّا نقول في الصّلاة قبل أن يفرض التّشهّد : السّلام على اللّه السّلام على جبريل وميكائيل . فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : لا تقولوا هذا . فإنّ اللّه هو السّلام ، ولكن قولوا : التّحيّات للّه ... » الحديث ، وقال عمر - رضي الله عنه - لا تجزئ صلاة إلاّ بتشهّد .
وأقلّ التّشهّد عند الشّافعيّة : التّحيّات للّه . سلام عليك أيّها النّبيّ ورحمة اللّه وبركاته . سلام علينا وعلى عباد اللّه الصّالحين ، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، وأنّ محمّداً رسول اللّه . وهو أقلّه عند الحنابلة - أيضاً - بدون لفظ : " وبركاته " . مع التّخيير بين " وأنّ محمّداً رسول اللّه " " وأنّ محمّداً عبده ورسوله " لاتّفاق الرّوايات على ذلك .
والتّشهّد الأخير عند المالكيّة سنّة وليس بركن .
ك - الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعد التّشهّد الأخير :