تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فَصْلٌ فِي شُرُوطِ التَّأْوِيلِ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِوَضْعِ اللُّغَةِ أَوْ عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ أَوْ عَادَةِ صَاحِبِ الشَّرْعِ . وَكُلُّ تَأْوِيلٍ خَرَجَ عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَبَاطِلٌ . وَقَدْ فَتَحَ الشَّافِعِيُّ الْبَابَ فِي التَّأْوِيلِ فَقَالَ : الْكَلَامُ قَدْ يُحْمَلُ فِي غَيْرِ مَقْصُودِهِ . وَيُفْصَلُ فِي مَقْصُودِهِ . وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْآرَاءُ فِي التَّأْوِيلِ , وَمَدَارُهُمْ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ , فَيُضَعَّفُ التَّأْوِيلُ لِقُوَّةِ ظُهُورِ اللَّفْظِ , أَوْ لِضَعْفِ دَلِيلِهِ أَوْ لَهُمَا . وَمِنْ الثَّانِي مَنْعُ عُمُومِ قَوْلِهِ : ﴿ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ , وَفِيمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ دَالِيَةٍ نِصْفُهُ ﴾ حَتَّى لَا يَتَمَسَّكَ بِهِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْخَضْرَاوَاتِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْفَصْلُ بَيْنَ وَاجِبِ الْعُشْرِ وَنِصْفِهِ , وَكَاسْتِدْلَالِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ﴾ وَالْحَنَفِيَّةُ قَالُوا هَذَا مُفَصَّلٌ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ , مُجْمَلٌ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا , وَفِي زَكَاةِ الْحُلِيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ﴾ وَالْحَنَفِيَّةُ قَالُوا : هَذَا مُفَصَّلٌ فِي تَحْرِيمِ الْكَنْزِ , مُجْمَلٌ فِي غَيْرِهِ . وَمِنْ الْأَوَّلِ حَمَلَ بَعْضُهُمْ الِاسْتِجْمَارَ فِي قَوْلِهِ : ﴿ مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ ﴾ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ الْبَخُورَ لِلتَّطَيُّبِ . فَإِنَّهُ يُقَالُ فِيهِ : تَجَمَّرَ وَاسْتَجْمَرَ , وَاللَّفْظُ قَوِيٌّ ظَاهِرٌ فِي الِاسْتِنْجَاءِ , وَعَلَيْهِ فَهْمُ النَّاسِ . وَمِنْهُ حَمَلَ بَعْضُهُمْ الْجُلُوسَ فِي قَوْلِهِ : ﴿ نَهَى عَنْ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ ﴾ عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ عَلَيْهِ , وَاللَّفْظُ ظَاهِرٌ فِي الْمُرَادِفِ لِلْقُعُودِ . وَمِنْهُ حَمْلُ الظَّاهِرِيَّةِ حَدِيثَ : ﴿ لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ ﴾ عَلَى بَيْضَةِ الْحَدِيدِ , وَهُوَ بَعِيدٌ , لِأَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي خِلَافَهُ . وَمِنْهُ حَمَلَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ : ﴿ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ ﴾ أَيْ دَخَلَا بِذَلِكَ فِي فِطْرَتِي وَسُنَّتِي , لِأَنَّ الْحِجَامَةَ مِمَّا أَمَرَ بِهِ صلى الله عليه وسلم وَاسْتَعْمَلَهُ , حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ تِلْمِيذُ الْبَغَوِيّ , عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِ نَيْسَابُورَ . وَقَسَّمَ شَارِحُ " اللُّمَعِ " تَأْوِيلَ الظَّاهِرِ إلَى ثَلَاثِهِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : تَأْوِيلُهُ عَلَى مَعْنًى يُسْتَعْمَلُ فِي ذَلِكَ كَثِيرًا , فَهَذَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى إقَامَةِ الدَّلِيلِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ , وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّفْظِ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ , كَحَمْلِ الْأَمْرِ فِي قوله تعالى : ﴿ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ ﴾ عَلَى الْوُجُوبِ , وَحَمْلُهُ عَلَى النَّدْبِ بِدَلِيلٍ جَائِزٍ . لِاسْتِعْمَالِ الْأَمْرِ مُرَادًا بِهِ النَّدْبُ كَثِيرًا , فَيُحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّدْبُ . وَالثَّانِي : تَأْوِيلُهُ عَلَى مَعْنًى لَا يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا , فَهَذَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : بَيَانُ قَبُولِ اللَّفْظِ لِهَذَا التَّأْوِيلِ فِي اللُّغَةِ . وَالثَّانِي : إقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ هُنَا يَقْتَضِيهِ . وَالثَّالِثُ : حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنًى لَا يُسْتَعْمَلُ أَصْلًا , فَلَا يَصِحُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ دَلِيلُ التَّأْوِيلِ أَقْوَى مِنْ دَلِيلِ . . . كَقَوْلِهِ : ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الطَّلَاقَ فِي حَالِ وَقْتِ الْعِدَّةِ , وَهُوَ زَمَانُ الطُّهْرِ , فَلَوْ قِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ . قَالَ : وَهَلْ يَجُوزُ التَّأْوِيلُ بِالْقِيَاسِ ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ , ذَكَرَهَا فِي الْإِرْشَادِ : أَحَدُهَا : الْمَنْعُ . وَالثَّانِي , وَهُوَ الصَّحِيحُ : الْجَوَازُ , لِأَنَّ مَا جَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ جَازَ التَّأْوِيلُ بِهِ , كَأَخْبَارِ الْآحَادِ . وَالثَّالِثُ : بِالْجَلِيِّ دُونَ الْخَفِيِّ , وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْأُصُولِيِّينَ بِذِكْرِ ضُرُوبٍ مِنْ التَّأْوِيلَاتِ هَاهُنَا كَالرِّيَاضَةِ لِلْأَفْهَامِ لِيَتَمَيَّزَ الصَّحِيحُ مِنْهَا عَنْ الْفَاسِدِ , حَتَّى يُقَاسَ عَلَيْهَا وَيَتَمَرَّنَ النَّاظِرُ فِيهَا . وَقَدْ أَوَّلَ الْحَنَفِيَّةُ أَشْيَاءَ بَعِيدَةً حَكَمَ أَصْحَابُنَا بِبُطْلَانِهَا : فَمِنْهَا : تَأْوِيلُهُمْ ﴿ قَوْلُهُ عليه السلام لِغَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ وَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ : أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ ﴾ بِثَلَاثِ تَأْوِيلَاتٍ : أَحَدُهَا : أَيْ : ابْتَدِئْ الْعَقْدَ , إطْلَاقًا لِاسْمِ الْمُسَبَّبِ . عَلَى السَّبَبِ . ثَانِيهَا : أَمْسِكْ الْأَوَّلَ . وَلَعَلَّ النِّكَاحَ وَقَعَ بَعْدُ عَلَى التَّفْرِيقِ . ثَالِثُهَا : لَعَلَّهُ كَانَ قَبْلَ حَصْرِ النِّسَاءِ , وَقَبْلَ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ , فَيَكُونُ الْعَقْدُ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ . أَمَّا

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ١١٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ١١٠٤