تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فَصْلٌ فِي الْقَرَائِنِ الَّتِي يُظَنُّ أَنَّهَا صَارِفَةٌ لِلَّفْظِ عَنْ الْعُمُومِ . وَفِيهِ مَسَائِلُ : [ الْمَسْأَلَةُ ] الْأُولَى الْخَارِجُ عَلَى جِهَةِ الْمَدْحِ أَوْ الذَّمِّ , نَحْوُ ﴿ إنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ , وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾ , وَقَوْلُهُ : ﴿ وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ﴾ وَقَوْلُهُ : ﴿ وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴾ وَالْمُرَادُ مَدْحُ قَوْمٍ وَذَمُّ آخَرِينَ , وَيَتَعَلَّقُ بِهِ ذِكْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ , وَذِكْرُ النِّسَاءِ , وَمِلْكُ الْيَمِينِ , وَنَحْوُ ذَلِكَ , فَفِي التَّعَلُّقِ بِعُمُومِهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ , وَالْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ , وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ , وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ , وَغَيْرُهُمْ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ , وَنُسِبَ لِلشَّافِعِيِّ , وَلِهَذَا مُنِعَ التَّمَسُّكُ بِآيَةِ الزَّكَاةِ فِي وُجُوبِ زَكَاةِ الْحُلِيِّ , لِأَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يَقَعْ مَقْصُودًا لَهُ , وَرُبَّمَا نَقَلُوا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : الْكَلَامُ مُفَصَّلٌ فِي مَقْصُودِهِ , وَمُجَمِّلٌ فِي غَيْرِ مَقْصُودِهِ . وَنَقَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ عَنْ الْقَاشَانِيِّ , وَنَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ الْكَرْخِيِّ وَغَيْرِهِ . وَقَالَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ : إنَّهُ الصَّحِيحُ . وَبِهِ جَزَمَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فِي كِتَابِهِ , فَقَالَ : لَا يُحْكَمُ الْعُمُومُ بِمُجَرَّدِ الْخِطَابِ الْعَامِّ , وَلَكِنْ يَكُونُ الْمَخْصُوصُ بِالذِّكْرِ عَلَى مَا حُكِمَ فِيهِ , ثُمَّ يُنْظَرُ فِيمَا عَدَاهُ مِمَّا هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ لَا لِلْعُمُومِ , وَأَطَالَ فِي الِاحْتِجَاجِ بِذَلِكَ . قَالَ : فَلَا يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ : ﴿ وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ﴾ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي قَلِيلِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَكَثِيرِهِمَا , بَلْ مَقْصُودُ الْآيَةِ الْوَعِيدُ لِتَارِكِ الزَّكَاةِ , وَكَذَا لَا يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ : ﴿ وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ فِي بَيَانِ مَا يَحِلُّ مِنْهَا وَمَا لَا يَحِلُّ , وَلَكِنْ فِيهَا بَيَانُ أَنَّ الْفَرْجَ لَا يَجِبُ حِفْظُهُ عَنْهُمَا , ثُمَّ إذَا اُحْتِيجَ إلَى تَفْصِيلِ مَا لَا يَحِلُّ بِالنِّكَاحِ أَوْ بِمِلْكِ الْيَمِينِ صُيِّرَ فِيهِ إلَى مَا قُصِدَ تَفْصِيلُهُ , مِثْلُ : ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾ وَنَحْوُهُ . قَالَ : وَمَنْ ضَبَطَ هَذَا الْبَابَ أَفَادَهُ عِلْمًا كَثِيرًا , وَاسْتَرَاحَ مَنْ لَا يُرَتِّبُ الْخِطَابَ عَلَى وَجْهِهِ , وَلَا يَضَعُهُ مَوْضِعَهُ . انْتَهَى . وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي تَعْلِيقِهِ " فِي بَابِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النِّكَاحِ , وَعِبَارَتُهُ : قُلْنَا : الْآيَةُ إذَا سِيقَتْ لِبَيَانِ مَقْصُودٍ , فَإِنَّمَا يُوجَبُ التَّعْمِيمُ فِي مَحَلِّ الْمَقْصُودِ , فَأَمَّا فِي مَحَلِّ غَيْرِ الْمَقْصُودِ وَالْغَرَضِ بِالْخِطَابِ فَلَا يُقْصَدُ بِالْخِطَابِ , بَلْ يُعْرَضُ عَنْهُ صَفْحًا , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ ﴾ الْآيَةَ ا هـ . وَالثَّانِي : وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ عَامٌّ , وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ قَصْدِ الْعُمُومِ وَالذَّمِّ , قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ : إنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي " التَّقْرِيبِ " : إنَّهُ الْمَذْهَبُ , وَكَذَا قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ " , وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ " : إنَّهُ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ . قَالَ : وَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّتِنَا , وَصَرَّحُوا بِأَنَّ الْمَذْهَبَ الشَّافِعِيَّ الصَّحِيحَ عِنْدَهُ صِحَّةُ ادِّعَاءِ الْعُمُومِ فِيهِ حَتَّى لَا يُعَارِضَهُ . وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ فِي كِتَابِ التَّحْصِيلِ " عَلَيْهِ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ , وَنَقَلَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ , وَجَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو إسْحَاقَ فِي " شَرْحِ اللُّمَعِ " وَخَطَّأَ مُخَالِفَهُ , وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إسْحَاقَ : وَقَدْ جَعَلَهُ الشَّافِعِيُّ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ طَرِيقَ التَّرْجِيحِ , وَلَا يُعْرَفُ أَنَّهُ جَعَلَهُ وَجْهَ الْمَنْعِ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالظَّاهِرِ . قُلْتُ : وَلِلشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ , فَإِنَّهُ ذَهَبَ فِيهِ إلَى أَنَّ النَّوْمَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ وَاَلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴾ قَالَ : فَأَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْمَدْحِ , وَمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْمَدْحِ يُنْفَى عَنْهُ إبْطَالُ الْعِبَادَةِ , وَاحْتَجَّ فِي الْجَدِيدِ عَلَى أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ يَبْقَى إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ١١٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ١١٠٢