17 - استحبّ الفقهاء استلام ركنين من أركان البيت . الأوّل : الحجر الأسود ، ويسنّ تقبيله لحديث ابن عمر رضي الله عنهما ﴿ استقبل النّبيّ صلى الله عليه وسلم الحجر ، ثمّ وضع شفتيه عليه يبكي طويلًا ، ثمّ التفت فإذا هو بعمر بن الخطّاب يبكي ، فقال : يا عمر ، هاهنا تسكب العبرات ﴾ . وعن عابس بن ربيعة عن ﴿ عمر رضي الله عنه أنّه جاء إلى الحجر الأسود فقبّله ، وقال : إنّي أعلم أنّك حجر لا تضرّ ولا تنفع ، ولولا أنّي رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقبّلك ما قبّلتك ﴾ . وقد صرّح الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة بأن تكون القبلة بلا صوتٍ ، وعند المالكيّة في الصّوت بالتّقبيل قولان : الكراهة والإباحة . قال الشّيخ الحطّاب نقلًا عن الشّيخ زرّوقٍ في شرح الإرشاد : ورجّح غير واحدٍ الجواز ، ونقله أيضًا الشّيخ دسوقيّ عن الحطّاب . وزاد الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة : أن يسجد عليه . قال الحنابلة : فعله ابن عمر وابن عبّاسٍ ، وأنكر الإمام مالك وضع الخدّين على الحجر الأسود ، قال في المدوّنة : وهو بدعة ، قال الشّيخ الدّردير في الشّرح الكبير : وكره مالك السّجود وتمريغ الوجه عليه ، قال الحطّاب : قال بعض شيوخنا : وكان مالك يفعله إذا خلا به . وعند الحنفيّة والشّافعيّة يسنّ أن يكون التّقبيل والسّجود ثلاثًا . فإن لم يتمكّن من تقبيله استلمه بيده وقبّل يده ، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما ﴿ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم استلمه وقبّل يده ﴾ . ولما روى مسلم عن نافعٍ قال : ﴿ رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده ثمّ قبّل يده . وقال : ما تركته منذ رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يفعله ﴾ وهذا مذهب جمهور الفقهاء الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة . ومذهب المالكيّة أنّه لا يقبّل يده بل يضعها على فيه من غير تقبيلٍ ، وعندهم رواية أنّه يقبّل يده كما يقبّل الحجر ، والأوّل هو المشهور ، وحجّته أنّ التّقبيل في الحجر تعبّد وليست اليد بالحجر . قال الشّافعيّة والحنابلة : ويسنّ أن تكون يده اليمنى ، وقال الحنفيّة : يضع يديه عليه ثمّ يقبّلها أو يضع إحداهما ، والأولى أن تكون اليمنى لأنّها المستعملة فيما فيه شرف . فإن لم يتمكّن من استلامه بيده استلمه بشيءٍ كعصًا ، ثمّ يقبّل ما استلمه به لقوله صلى الله عليه وسلم : ﴿ إذا أمرتكم بشيءٍ فأتوا منه ما استطعتم ﴾ وهذا مذهب الجمهور ، وعند المالكيّة : يضع العصا على فيه من غير تقبيلٍ .
18 - فإن عجز عن كلّ ذلك لشدّة الزّحام أشار إليه بيده أو شيءٍ فيها من بعيدٍ ولا يزاحم النّاس فيؤذي المسلمين ، لما روي ﴿ أنّه صلى الله عليه وسلم قال لعمر : يا عمر إنّك رجل قويّ ، لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضّعيف ، إن وجدت خلوةً فاستلمه ، وإلاّ فاستقبله فهلّل وكبّر ﴾ . ولأنّ الاستلام سنّة ، وإيذاء المسلم حرام ، وترك الحرام أولى من الإتيان بالسّنّة . وعن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال : ﴿ طاف النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالبيت على بعيرٍ كلّما أتى على الرّكن أشار إليه بشيءٍ عنده وكبّر ﴾ . قال الحنفيّة : يشير إليه بباطن كفّيه كأنّه واضعها عليه وذلك بأن يرفع يديه حذاء أذنيه ويجعل باطنهما نحو الحجر مشيرًا بهما إليه وظاهرهما نحو وجهه ، وصرّحوا بتقبيل كفّيه . ومذهب الشّافعيّة في التّقبيل كمذهب الحنفيّة حيث إنّهم صرّحوا بتقبيل ما أشار به ، سواء كانت الإشارة بيده أو غيرها . ومذهب الحنابلة أنّه لا يقبّل المشار به قالوا : لعدم وروده . وذهب المالكيّة أنّه إن تعذّر استلامه يكبّر فقط إذا حاذاه من غير إشارةٍ بيده ولا رفعٍ ، وصفة الاستلام عند الحنفيّة أن يضع كفّيه على الحجر ويضع فمه بين كفّيه ويقبّله ، وعند المالكيّة والشّافعيّة أن يلمسه بيده ، وقال الحنابلة : يمسحه بيده . الثّاني : الرّكن اليمانيّ ، فيسنّ استلام الرّكن اليمانيّ في الطّواف من غير تقبيلٍ ، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما ﴿ أنّه صلى الله عليه وسلم كان لا يستلم إلاّ الحجر والرّكن اليمانيّ ﴾ . وذهب محمّد بن الحسن إلى أنّه يسنّ تقبيله ، وقال المالكيّة : إذا استلمه بيده وضعها على فيه من غير تقبيلٍ ، ومذهب الشّافعيّة أنّه يقبّل ما استلمه به . وإذا لم يتمكّن من استلامه أشار إليه بيده عند الشّافعيّة والحنابلة ، قال الشّافعيّة : لأنّها بدل عنه لترتّبها عليه عند العجز في الحجر الأسود فكذا هنا ، ومقتضى القياس أنّه يقبّل ما أشار به ، قال الشّربينيّ الخطيب : وهو كذلك . وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه لا يشير عند الزّحام ، وعند المالكيّة أنّه يكبّر إذا حاذاه .