تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثمّ تحلّ عقد الكفن للاستغناء عنها ، ويسوّى اللّبن على اللّحد ، وتسدّ الفرج بالمدر والقصب أو غير ذلك كي لا ينزل التّراب منها على الميّت ، ويكره وضع الآجُرّ المطبوخ إلاّ إذا كانت الأرض رخوةً ، لأنّها تستعمل للزّينة ، ولا حاجة للميّت إليها ، ولأنّه ممّا مسّته النّار .

قال مشايخ بخارى : لا يكره الآجُرّ في بلادنا للحاجة إليه لضعف الأراضي ، وكذلك الخشب .

ويستحبّ حثيه من قبل رأسه ثلاثاً : لما روي عن أبي هريرة : « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم صلّى على جنازةٍ ، ثمّ أتى القبر فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثاً » .

ويقول في الحثية الأولى : ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ ﴾ ، وفي الثّانية : ﴿ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ﴾ ، وفي الثّالثة : ﴿ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ﴾ .

وقيل : يقول في الأولى : اللّهمّ جاف الأرض عن جنبيه ، وفي الثّانية : اللّهمّ افتح أبواب السّماء لروحه ، وفي الثّالثة : اللّهمّ زوّجه من الحور العين ، وللمرأة : اللّهمّ أدخلها الجنّة برحمتك . ثمّ يهال التّراب عليه ، وتكره الزّيادة عليه ، لأنّه بمنزلة البناء .

ويحرم أن يوضع تحت الميّت عند الدّفن مخدّة أو حصير أو نحو ذلك ، لأنّه إتلاف مالٍ بلا ضرورةٍ ، بل المطلوب كشف خدّه ، والإفضاء إلى التّراب استكانةً وتواضعاً ، ورجاءً لرحمة اللّه . وما روي « أنّه جعل في قبره صلى الله عليه وسلم قطيفةً » ، قيل : لأنّ المدينة سبخة، وقيل : إنّ العبّاس وعليّاً رضي الله عنهما تنازعا فبسطها شقران تحته لقطع التّنازع. وقيل : كان عليه الصلاة والسلام يلبسها ويفترشها ، فقال شقران : واللّه لا يلبسك أحد بعده أبداً فألقاها في القبر ، ولكنّه لم يشتهر ليكون إجماعاً منهم ، بل ثبت عن غيره خلافه كما رواه التّرمذيّ أنّ ابن عبّاسٍ كره أن يلقى تحت الميّت شيء عند الدّفن .

وعن أبي موسى قال : " لا تجعلوا بيني وبين الأرض شيئاً " .

ولا تعيين في عدد من يدخل القبر عند جمهور الفقهاء ، فعلى هذا يكون عددهم على حسب حال الميّت ، وحاجته ، وما هو أسهل في أمره .

وذهب الشّافعيّة ، وهو قول القاضي من الحنابلة ، إلى أنّه يستحبّ أن يكون وتراً ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ألحده ثلاثة .

ولو مات أقارب الشّخص دفعةً واحدةً ، وأمكنه دفن كلّ واحدٍ في قبرٍ ، بدأ بمن يخشى تغيّره، ثمّ الّذي يليه في التّغيير ، فإن لم يخش تغيّر بدأ بأبيه ، ثمّ أمّه ، ثمّ الأقرب فالأقرب ، فإن كانا أخوين فأكبرهما ، وإن كانتا زوجتين أقرع بينهما .

أقلّ ما يجزئ في الدّفن :

9 - صرّح جمهور الفقهاء بأنّ أقلّ ما يجزئ في الدّفن حفرة تكتم رائحة الميّت ، وتحرسه عن السّباع ، لعسر نبش مثلها غالباً ، وقدّر الأقلّ بنصف القامة ، والأكثر بالقامة ، ويندب عدم تعميقه أكثر من ذلك ، وصرّح المالكيّة بأنّه لا حدّ لأكثره وإن كان النّدب عدم عمقه . ويجوز الدّفن في الشّقّ واللّحد ، فاللّحد : أن يحفر حائط القبر مائلاً عن استوائه من أسفله قدر ما يوضع فيه الميّت من جهة القبلة . والشّقّ : أن يحفر وسطه كالنّهر ، ويسقّف .

فإن كانت الأرض صلبةً فاللّحد أفضل ، وإلاّ فالشّقّ ، وتفصيل ذلك في مصطلح : ( قبر ) .

تغطية القبر حين الدّفن :

10 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّه يستحبّ تغطية قبر المرأة حين الدّفن لأنّها عورة ، ولأنّه لا يؤمن أن يبدو منها شيء فيراه الحاضرون ، وبناء أمرها على السّتر ، والخنثى في ذلك كالأنثى احتياطاً .

واختلفوا في تغطية قبر الرّجل ، فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يكره تغطية قبر الرّجل إلاّ لعذرٍ من مطرٍ وغيره ، لما روي عن عليٍّ رضي الله عنه ، أنّه مرّ بقومٍ وقد دفنوا ميّتاً ، وقد بسطوا على قبره الثّوب ، فجذبه وقال : إنّما يصنع هذا بالنّساء ، مع ما فيه من اتّباع أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .

ويرى الشّافعيّة في المذهب أنّه يستحبّ ذلك ، سواء كان رجلاً أو امرأةً ، والمرأة آكد .

لأنّه ربّما ينكشف عند الاضطجاع وحلّ الشّداد ، فيظهر ما يستحبّ إخفاؤه .

اتّخاذ التّابوت :

11 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّه يكره الدّفن في التّابوت إلاّ عند الحاجة كرخاوة الأرض ، وذلك ، لأنّه لم ينقل عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضوان اللّه تعالى عليهم ، وفيه تشبّه بأهل الدّنيا ، والأرض أنشف لفضلاته . ولأنّ فيه إضاعة المال .

وفرّق الحنفيّة بين الرّجل والمرأة ، فقالوا : لا بأس باتّخاذ التّابوت لها مطلقاً ، لأنّه أقرب إلى السّتر ، والتّحرّز عن مسّها عند الوضع في القبر .

الدّفن ليلاً وفي الأوقات المكروهة :

12 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة وهو المذهب لدى الحنابلة إلى أنّه لا يكره الدّفن ليلاً ، لأنّ أبا بكرٍ رضي الله تعالى عنه دفن ليلاً ، وعليّ دفن فاطمة رضي الله تعالى عنها ليلاً ، وممّن دفن ليلاً عثمان بن عفّان ، وعائشة ، وابن مسعودٍ رضي الله تعالى عنهم . ورخّص فيه عقبة بن عامرٍ ، وسعيد بن المسيّب ، وعطاء ، والثّوريّ ، وإسحاق ، ولكنّه يستحبّ أن يكون نهاراً إن أمكن ، لأنّه أسهل على متّبعي الجنازة ، وأكثر للمصلّين عليها ، وأمكن لاتّباع السّنّة في دفنه .

وكرهه أحمد في روايةٍ ، والحسن ، لما ورد « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم خطب يوماً ، فذكر رجلاً من أصحابه قبض فكفّن في كفنٍ غير طائلٍ ، وقبر ليلاً ، فزجر النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيه أن يقبر الرّجل باللّيل إلاّ أن يضطرّ إنسان إلى ذلك » .

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ٩٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ٩٧٤