24 - إذَا خَرَجَتْ الْمَرْأَةُ لِحَاجَتِهَا لَا تَخْرُجُ إلَّا مُتَسَتِّرَةً . قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ : وَحَيْثُ أَبَحْنَا لَهَا الْخُرُوجَ فَإِنَّمَا يُبَاحُ بِشَرْطِ عَدَمِ الزِّينَةِ , وَعَدَمِ تَغْيِيرِ الْهَيْئَةِ إلَى مَا يَكُونُ دَاعِيَةً لِنَظَرِ الرِّجَالِ وَالِاسْتِمَالَةِ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾ . قَالَ مُجَاهِدٌ : كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَخْرُجُ تَمْشِي بَيْنَ يَدَيْ الرِّجَالِ , فَذَلِكَ تَبَرُّجُ الْجَاهِلِيَّةِ . وَقَالَ قَتَادَةَ : كَانَتْ لَهُنَّ مِشْيَةُ تَكَسُّرٍ وَتَغَنُّجٍ , فَنَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ . وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الثِّيَابُ الَّتِي تَظْهَرُ بِهَا أَمَامَ النَّاسِ مِمَّا يَظْهَرُ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ جَسَدِهَا الْوَاجِبِ سِتْرُهُ , وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ يَشِفُّ عَمَّا تَحْتَهُ ; لِأَنَّهُ إذَا اسْتَبَانَ جَسَدُهَا كَانَتْ كَاسِيَةً عَارِيَّةً حَقِيقَةً . وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ : ﴿ سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَّاتٌ , عَلَى رُءُوسِهِنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ , الْعَنُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ مَلْعُونَاتٌ ﴾ . وَفِي الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي : لَا يَلْبَسُ النِّسَاءُ مِنْ الرَّقِيقِ مَا يَصِفُهُنَّ إذَا خَرَجْنَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ , وَالْخُرُوجُ لَيْسَ بِقَيْدٍ , وَحَاصِلُ الْمَعْنَى : أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ لُبْسُ مَا يُرَى مِنْهُ جَسَدُهَا بِحَضْرَةِ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ . وَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَأْتِيَ مِنْ الْأَعْمَالِ مَا يُلْفِتُ النَّظَرَ إلَيْهَا وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الِافْتِتَانُ بِهَا , قَالَ تَعَالَى : ﴿ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ﴾ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ : كَانَتْ الْمَرْأَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا كَانَتْ تَمْشِي فِي الطَّرِيقِ , وَفِي رِجْلِهَا خَلْخَالٌ صَامِتٌ لَا يُعْلَمُ صَوْتُهُ , ضَرَبَتْ بِرِجْلِهَا الْأَرْضَ فَيَسْمَعُ الرِّجَالُ طَنِينَهُ , فَنَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمُؤْمِنَاتِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ , وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ شَيْءٌ مِنْ زِينَتِهَا مَسْتُورًا , فَتَحَرَّكَتْ بِحَرَكَةٍ لِتُظْهِرَ مَا هُوَ خَفِيٌّ دَخَلَ فِي هَذَا النَّهْيِ لقوله تعالى : ﴿ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ ﴾ . وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا تُنْهَى عَنْ التَّعَطُّرِ وَالتَّطَيُّبِ عِنْدَ خُرُوجِهَا مِنْ بَيْتِهَا فَيَشُمُّ الرِّجَالُ طِيبَهَا , فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ﴿ كُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ , وَالْمَرْأَةُ إذَا اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ بِالْمَجْلِسِ فَهِيَ كَذَا وَكَذَا ﴾ يَعْنِي زَانِيَةً . وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهُنَّ يُنْهَيْنَ عَنْ الْمَشْيِ فِي وَسَطِ الطَّرِيقِ ; لِمَا رَوَى حَمْزَةُ بْنُ أَبِي أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ ﴿ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْمَسْجِدِ , وَقَدْ اخْتَلَطَ النِّسَاءُ مَعَ الرِّجَالِ فِي الطَّرِيقِ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلنِّسَاءِ : اسْتَأْخِرْنَ , فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ , عَلَيْكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيقِ ﴾ . وَلَا تَجُوزُ خَلْوَةُ الْمَرْأَةِ بِالْأَجْنَبِيِّ وَلَوْ فِي عَمَلٍ , وَالْمُرَادُ بِالْخَلْوَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مَعَ الرَّجُلِ فِي مَكَان يَأْمَنَانِ فِيهِ مِنْ دُخُولِ ثَالِثٍ . ( ر : خَلْوَةٌ ) . قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : أَكْرَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الرَّجُلُ امْرَأَةً حُرَّةً يَسْتَخْدِمُهَا وَيَخْلُو بِهَا ; لِأَنَّ الْخَلْوَةَ بِالْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ مَعْصِيَةٌ . وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : ﴿ لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إلَّا كَانَ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا ﴾ . وَيُمْنَعُ الِاخْتِلَاطُ الْمُرِيبُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ ( اخْتِلَاطٌ ) .
الْأَحْكَامُ الَّتِي تَخُصُّ النِّسَاءَ بِالنِّسْبَةِ لِلْعِبَادَةِ :
25 - الْأَصْلُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي أَهْلِيَّةِ الْعِبَادَةِ . إلَّا أَنَّهُ نَظَرًا لِكَوْنِهَا مَأْمُورَةً بِالتَّسَتُّرِ وَعَدَمِ الِاخْتِلَاطِ الْمُرِيبِ بِالرِّجَالِ الْأَجَانِبِ فَإِنَّهَا تَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْأَحْكَامِ فِي عِبَادَاتِهَا . وَمِنْ ذَلِكَ :
( 1 ) الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ : فَالْأَصْلُ أَنَّهَا لَا تُؤَذِّنُ وَلَا تُقِيمُ ( ر : أَذَانٌ . إقَامَةٌ ) .
( 2 ) وَلَا تَؤُمُّ الرِّجَالَ , بَلْ يُكْرَهُ لَهَا عِنْدَ بَعْضِ الْمَذَاهِبِ أَنْ تَؤُمَّ النِّسَاءَ . ( ر : إمَامَةٌ ) .
( 3 ) وَمِنْهَا صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ بِإِمَامَةِ إحْدَاهُنَّ , فَالْأَصْلُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ لَهُنَّ فِي تِلْكَ الْحَالِ , خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ الْقَائِلِينَ بِنَدْبِهَا لَهُنَّ , وَلَوْ لَمْ يَؤُمَّهُنَّ رِجَالٌ . وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي ( صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ ) .