وإذا كان الطّهر خمسة عشر يوماً ، ولكن كان بين استحاضتين ، أو بين حيضين ونفاس ، أو بين نفاس واستحاضة ، أو بين طرفي نفاس واحد ، فإنّه يكون طهراً فاسداً .
والطّهر التّامّ ما كان خمسة عشر يوماً فأكثر سواء أكان صحيحاً ، أم فاسداً .
والطّهر النّاقص : ما نقص عن خمسة عشر يوماً ، وهو نوع من الطّهر الفاسد .
ما يترتّب على الحيض :
أولاً - البلوغ :
29 - اتّفق الفقهاء على أنّ الحيض علامة من علامات البلوغ الّتي يحصل بها التّكليف ، فإذا رأت المرأة الدّم في زمن الإمكان ، أصبحت بالغةً مكلّفةً يجب عليها ما يجب على البالغات المكلّفات ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يقبل اللّه صلاة حائض إلاّ بخمار » . فأوجب عليها أن تستتر لبلوغها بالحيض . فدلّ على أنّ التّكليف حصل به .
وقيّد المالكيّة ذلك بالحيض الّذي ينزل بنفسه ، أمّا إذا تسبّب في جلبه ، فلا يكون علامةً .
ثانياً - التّطهّر :
30 - صرّح الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة بأنّه لا تصحّ طهارة الحائض ، فإذا اغتسلت الحائض لرفع حدث الجنابة ، فلا يصحّ غسلها ، وذهب الحنابلة إلى أنّ الحائض ، إن اغتسلت للجنابة زمن حيضها صحّ غسلها ، واستحبّ تخفيفاً للحدث ، ويزول حكم الجنابة . لأنّ بقاء أحد الحدثين لا يمنع ارتفاع الآخر . كما لو اغتسل المحدث حدثاً أصغر .
ونصّوا على أنّه ليس عليها أن تغتسل للجنابة حتّى ينقطع حيضها لعدم الفائدة .
أ - غسل الحائض :
31 - اتّفق الفقهاء على أنّ الحيض موجب من موجبات الغسل ، فإذا انقطع الدّم وجب على المرأة أن تغتسل لاستباحة ما كانت ممنوعةً منه بالحيض ، « لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش : دعي الصّلاة قدر الأيّام الّتي كنت تحيضين فيها ثمّ اغتسلي وصلّي » وأمر به أمّ حبيبة وسهلة بنت سهيل وغيرهنّ .
ويؤيّده قوله تعالى : ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ ﴾ أي إذا اغتسلن ، فمنع الزّوج من وطئها قبل غسلها فدلّ على وجوبه عليها لإباحة الوطء ، ولا خلاف بين الفقهاء في أنّ الانقطاع شرط لصحّة الغسل ، وزاد الشّافعيّة القيام إلى الصّلاة ونحوها ، والمراد بالقيام إلى الصّلاة ، إمّا حقيقةً ، بأن أرادت صلاة ما قبل دخول الوقت من نافلة أو مقضيّة ، أو حكماً بأن دخل وقت الصّلاة ، إذ بدخوله تجب الصّلاة ويجب تحصيل شروطها وإن لم ترد الفعل فهي مريدة حكماً لكون الشّارع ألجأها إلى الفعل المستلزم للإرادة فهي مريدة بالقوّة .
وغسل الحيض كغسل الجنابة ، ويستحبّ للمغتسلة من الحيض ، غير المحرمة والمحدّة تطييب موضع الدّم . لما روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها « أنّ أسماء رضي الله عنها، سألت النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض ؟ فقال : تأخذ إحداكنّ ماءها وسدرتها فتطهّر فتحسن الطّهور . ثمّ تصبّ على رأسها فتدلكه دلكاً شديداً ، حتّى تبلغ شؤون رأسها ، ثمّ تصبّ عليها الماء . ثمّ تأخذ فرصةً ممسّكةً فتطهّر بها فقالت أسماء : وكيف تطهّر بها . فقال : سبحان اللّه . تطهّرين بها . فقالت عائشة . كأنّها تخفي ذلك تتبّعين أثر الدّم . وسألته عن غسل الجنابة ؟ فقال : تأخذ ماءً فتطهّر ، فتحسن الطّهور ، أو تبلغ الطّهور . ثمّ تصبّ على رأسها فتدلكه . حتّى تبلغ شؤون رأسها . ثمّ تفيض عليها الماء . فقالت عائشة : نعم النّساء نساء الأنصار ، لم يكن يمنعهنّ الحياء أن يتفقّهن في الدّين » .
ب - طهارة الحائض :
32 - لا خلاف بين الفقهاء في طهارة جسد الحائض ، وعرقها ، وسؤرها ، وجواز أكل طبخها وعجنها ، وما مسّته من المائعات ، والأكل معها ومساكنتها ، من غير كراهة ، لما روي « أنّ اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ، ولا يجامعوهنّ في البيوت ، فسأل أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل اللّه تعالى : ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ﴾ الآية . فقال صلى الله عليه وسلم : اصنعوا كلّ شيء إلاّ النّكاح ، فأنكرت اليهود ذلك . فجاء أسيد بن حضير وعبّاد بن بشر فقالا يا رسول اللّه : إنّ اليهود تقول : كذا كذا ، فلا نجامعهنّ ؟ فتغيّر وجه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حتّى ظننّا أن قد وجد عليهما » . ولما روي « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لعائشة : ناوليني الخمرة من المسجد فقالت: إنّي حائض . قال : إنّ حيضتك ليست في يدك » . « وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يشرب من سؤر عائشة وهي حائض ، ويضع فاه على موضع فيها » .
« وكانت تغسل رأس رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهي حائض » .
وقد نقل ابن جرير وغيره الإجماع على ذلك .
ثالثاً - الصّلاة :
33 - اتّفق الفقهاء على عدم صحّة الصّلاة من الحائض إذ الحيض مانع لصحّتها . كما أنّه يمنع وجوبها ، ويحرم عليها أداؤها . قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على إسقاط فرض الصّلاة عنها في أيّام حيضها ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش : « إذا أقبلت الحيضة فدعي الصّلاة » كما نقل النّوويّ الإجماع على سقوط وجوب الصّلاة عنها. وصرّح الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة بأنّ سجود التّلاوة والشّكر في معنى الصّلاة فيحرمان على الحائض .
كما اتّفق الفقهاء على أنّ قضاء ما فات الحائض في أيّام حيضها ليس بواجب ، لما روت معاذة قالت : « سألت عائشة ما بال الحائض تقضي الصّوم ، ولا تقضي الصّلاة ؟ فقالت : أحروريّة أنت ؟ فقلت : لست بحروريّة . ولكن أسأل . فقالت : كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصّوم ، ولا نؤمر بقضاء الصّلاة » .
ثمّ إنّ الفقهاء اختلفوا في حكم قضائها للصّلاة إذا أرادت قضاءها .