تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12 - لِلْأُنْثَى حُرِّيَّةُ الْإِرَادَةِ وَالتَّعْبِيرُ عَمَّا فِي نَفْسِهَا , وَقَدْ مَنَحَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هَذَا الْحَقَّ الَّذِي سَلَبَتْهُ مِنْهَا الْجَاهِلِيَّةُ وَحَرَمَتْهَا مِنْهُ , فَقَدْ كَانَتْ حِينَ يَمُوتُ زَوْجُهَا لَا تَمْلِكُ مِنْ أَمْرِ نَفْسِهَا شَيْئًا , وَكَانَ يَرِثُهَا مَنْ يَرِثُ مَالَ زَوْجِهَا . رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ﴾ قَالَ : كَانُوا إذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ , إنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوهَا , وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ , وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ كَانَ أَهْلُ يَثْرِبَ إذَا مَاتَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَرِثَ امْرَأَتَهُ مَنْ يَرِثُ مَالَهُ , وَكَانَ يَعْضُلُهَا حَتَّى يَرِثَهَا أَوْ يُزَوِّجَهَا مَنْ أَرَادَ , وَكَانَ أَهْلُ تِهَامَةَ يُسِيءُ الرَّجُلُ صُحْبَةَ الْمَرْأَةِ حَتَّى يُطَلِّقَهَا وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهَا أَلَّا تَنْكِحَ إلَّا مَنْ أَرَادَ حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ بِبَعْضِ مَا أَعْطَاهَا , فَنَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي كَبِيشَةِ بِنْتِ مَعْنِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ الْأَوْسِ , تُوُفِّيَ عَنْهَا أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ , فَجَنَحَ عَلَيْهَا ابْنُهُ , فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أَنَا وَرِثْت زَوْجِي , وَلَا أَنَا تُرِكْت فَأُنْكَحَ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ . قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ : فَالْآيَةُ تَعُمُّ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ , وَكُلُّ مَا كَانَ فِيهِ نَوْعٌ مِنْ ذَلِكَ . وَإِرَادَتُهَا كَذَلِكَ مُعْتَبَرَةٌ فِي نِكَاحِهَا , فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِيمَا يَرْوِيهِ الْبُخَارِيُّ : ﴿ لَا تُنْكَحْ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ , وَلَا تُنْكَحْ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ ﴾ . وَالِاسْتِئْمَارُ فِي حَقِّ الثَّيِّبِ الْكَبِيرَةِ الْعَاقِلَةِ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ , وَإِذَا زُوِّجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهَا فَنِكَاحُهَا مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَتِهَا , عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي بَابِ النِّكَاحِ . وَهُوَ فِي حَقِّ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ . رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : ﴿ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَأْمِرُ بَنَاتِهِ إذَا أَنْكَحَهُنَّ ﴾ . وَاسْتِئْذَانُهَا وَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ . بَلْ إنَّهَا يَجُوزُ لَهَا تَزْوِيجُ نَفْسِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ . جَاءَ فِي الِاخْتِيَارِ : عِبَارَةُ النِّسَاءِ مُعْتَبَرَةٌ فِي النِّكَاحِ , حَتَّى لَوْ زَوَّجَتْ الْحُرَّةُ الْعَاقِلَةُ الْبَالِغَةُ نَفْسَهَا جَازَ , وَكَذَلِكَ لَوْ زَوَّجَتْ غَيْرَهَا بِالْوِلَايَةِ أَوْ الْوَكَالَةِ , وَكَذَا إذَا وَكَّلَتْ غَيْرَهَا فِي تَزْوِيجِهَا , أَوْ زَوَّجَهَا غَيْرُهَا فَأَجَازَتْ , وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ وَالْحَسَنِ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ , وَيَسْتَدِلُّونَ بِمَا فِي الْبُخَارِيِّ ﴿ أَنَّ خَنْسَاءَ بِنْتَ حِزَامٍ أَنْكَحَهَا أَبُوهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ , فَرَدَّهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ﴾ وَرُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً زَوَّجَتْ بِنْتَهَا بِرِضَاهَا فَجَاءَ الْأَوْلِيَاءُ وَخَاصَمُوهَا إلَى عَلِيٍّ رضي الله تعالى عنه فَأَجَازَ النِّكَاحَ . هَذَا دَلِيلُ الِانْعِقَادِ بِعِبَارَةِ النِّسَاءِ , وَأَنَّهُ أَجَازَ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا غَائِبِينَ ; لِأَنَّهَا تَصَرَّفَتْ فِي خَالِصِ حَقِّهَا , وَلَا ضَرَرَ فِيهِ لِغَيْرِهَا فَيَنْفُذُ , كَتَصَرُّفِهَا فِي مَالِهَا . هَذَا مَا انْفَرَدَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ , وَتَفْصِيلُ الْخِلَافِ فِي هَذَا يَنْظُر فِي ( نِكَاحٍ ) .

وَلِلْمَرْأَةِ أَيْضًا مُشَارَكَةُ زَوْجِهَا الرَّأْيَ بَلْ وَمُعَارَضَتُهُ

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ٩٠