تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8 - من شروط وجوب الحجّ الاستطاعة بالزّاد والرّاحلة ، ومن لم يجد زادا وراحلة لا يجب عليه الحجّ ، وهذا باتّفاق الفقهاء . لكن من كان صاحب حرفة يمكنه أن يكتسب منها أثناء سفره للحجّ ما يكفيه فهل يعتبر مستطيعا ويجب عليه الحجّ ؟ ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه يعتبر مستطيعا ويجب عليه الحجّ إذا كانت الحرفة لا تزري به ويكتسب منها ، أثناء سفره وعودته ما يكفيه وعلم أو ظنّ عدم كسادها . وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه لا يعتبر مستطيعا ولا يجب عليه الحجّ ، لأنّ الاستطاعة ملك الزّاد والرّاحلة . لكن يستحبّ أن يحجّ لأنّه يقدر على إسقاط الفرض بمشقّة لا يكره تحمّلها ، فاستحبّ له إسقاط الفرض كالمسافر إذا قدر على الصّوم كما يقول الشّافعيّة . وخروجا من الخلاف كما يقول الحنابلة . وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ( حجّ ) .

سادسا : القيام بالحرف في المساجد :

9 - للمساجد حرمة لأنّها بيوت اللّه أقيمت للعبادة والذّكر والتّسبيح ، ويجب صيانتها عن كلّ ما يشغل عن ذلك . لكن هل يعتبر القيام بالحرف سواء أكانت تجارة أم صناعة في المساجد منافيا لحرمتها ؟ أمّا بالنّسبة للبيع والشّراء فقد اتّفق الفقهاء على منعه . واستدلّوا جميعا بما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال : ﴿ نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن البيع والاشتراء في المسجد ﴾ . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : ﴿ إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا : لا أربح اللّه تجارتك . وإذا رأيتم من ينشد ضالّة في المسجد فقولوا : لا ردّ اللّه عليك ﴾ وقد رأى عمر رضي الله عنه رجلا ( يسمّى القصير ) يبيع في المسجد فقال له : يا هذا إنّ هذا سوق الآخرة فإن أردت البيع فاخرج إلى سوق الدّنيا . واختلفوا في صفة المنع ، فذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى الكراهة ، وذهب الحنابلة إلى التّحريم . وهذا بالنّسبة لغير المعتكف . أمّا بالنّسبة للمعتكف فعند الحنفيّة والشّافعيّة يجوز له من ذلك ما يحتاج إليه لنفسه وعياله ، فإن كان لتجارة كره ، وقيّد الحنفيّة جواز ما يحتاج إليه من البيع والشّراء أثناء الاعتكاف بعدم إحضار السّلعة إلى المسجد وإلاّ كره ، لأنّ المسجد محرز عن حقوق العباد وفيه شغله بها . ولم يفرّق المالكيّة والحنابلة بين المعتكف وغيره .

10 - أمّا بالنّسبة للقيام بالصّنعة فيه ، فإنّه يكره عند الحنفيّة والمالكيّة ، لكن قال المالكيّة : إنّما يمنع في المساجد من عمل الصّناعات ما يختصّ بنفعه آحاد النّاس ممّا يتكسّب به ، فأمّا إن كان يشمل المسلمين في دينهم مثل إصلاح آلات الجهاد ممّا لا امتهان للمسجد في عمله فيه فلا بأس به . وقال الشّافعيّة : لا يكره للمعتكف الصّنائع في المسجد كالخياطة والكتابة ما لم يكثر ، فإن أكثر منها كرهت لحرمته ، إلاّ كتابة العلم ثمّ قالوا : تكره الحرفة كخياطة ونحوها في المسجد كالمعاوضة من بيع وشراء بلا حاجة وإن قلّت صيانة له . وقال الحنابلة : لا يجوز التّكسّب في المسجد بالصّنعة كخياطة وغيرها قليلا كان ذلك أو كثيرا لحاجة وغيرها ، وفي المستوعب : سواء كان الصّانع يراعي المسجد بكنس أو رشّ ونحوه أم لم يكن ، لأنّه بمنزلة التّجارة بالبيع والشّراء فلا يجوز أن يتّخذ المسجد مكانا للمعايش ، لأنّه لم يبن لذلك . وقعود الصّنّاع والفعلة فيه ينتظرون من يكريهم بمنزلة وضع البضائع فيه ينتظرون من يشتريها ، وعلى وليّ الأمر منعهم من ذلك كسائر المحرّمات ، والمساجد إنّما بنيت للذّكر والتّسبيح والصّلاة فإذا فرغ من ذلك خرج إلى معاشه لقوله تعالى : ﴿ فإذا قضيت الصّلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل اللّه ﴾ . ويجب أن يصان المسجد عن عمل صنعة لتحريمها فيه . ولا يكره اليسير من العمل في المسجد لغير التّكسّب كرقع ثوبه وخصف نعله ومثل أن ينحلّ شيء يحتاج إلى ربط فيربطه ، أو أن ينشقّ قميصه فيخيطه . ويحرم فعل ذلك للتّكسّب .

سابعا : اعتبار الحرفة في النّكاح :

11 - الكفاءة في الحرفة معتبرة في النّكاح عند جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة في رواية ، وهي معتبرة في حقّ الرّجال للنّساء ، لأنّ المرأة الشّريفة تعيّر بذلك ، ولا تعتبر الكفاءة في حقّ المرأة للرّجل ، لأنّ الولد يشرف بشرف أبيه لا أمّه فلم يعتبر ذلك في الأمّ . وقد بنى الفقهاء اعتبار الكفاءة في الحرفة على العرف وعادة أهل البلاد . هذا والمعتبر في الحرفة هو عرف بلد الزّوجة لا بلد العقد ، لأنّ المدار على عارها وعدمه ، وذلك إنّما يعرف بالنّسبة لعرف بلدها ، أي الّتي هي بها حالة العقد . واعتبار الحرفة في الكفاءة عند القائلين بذلك إنّما هو عند ابتداء العقد ولا يضرّ زوالها بعد العقد ، فلو كان الزّوج كفئا وقت العقد ثمّ زالت الكفاءة لم يفسخ العقد . لكن لو بقي أثر الحرفة لم يكن كفئا . أمّا لو كان الزّوج حال العقد غير كفء في حرفته فقد اختلف الفقهاء في بطلان النّكاح أو ثبوت الخيار وينظر تفصيل ذلك في ( نكاح - كفاءة ) .

كون الانتفاع بالحرفة مهرا :

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ٨٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ٨٥٤