114 - ذهب الجمهور ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ) إلى مشروعيّة الحجّ عن الغير وقابليّته للنّيابة ، وذهب مالك على المعتمد في مذهبه إلى أنّ الحجّ لا يقبل النّيابة لا عن الحيّ ولا عن الميّت ، معذورا أو غير معذور . وقالوا : إنّ الأفضل أن يتطوّع عنه وليّه بغير الحجّ ، كأن يهدي أو يتصدّق عنه ، أو يدعو له ، أو يعتق . استدلّ الجمهور على مشروعيّة حجّ الإنسان عن غيره بالسّنّة الثّابتة المشهورة ، وبالعقل . أمّا السّنّة : فمنها حديث ابن عبّاس رضي الله عنه قال : ﴿ جاءت امرأة من خثعم عام حجّة الوداع ، قالت : يا رسول اللّه : إنّ فريضة اللّه على عباده في الحجّ أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستوي على الرّاحلة ، فهل يقضي عنه أن أحجّ عنه ؟ قال : نعم ﴾ . وعن ابن عبّاس أيضا : ﴿ أنّ امرأة من جهينة جاءت إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت : إنّ أمّي نذرت أن تحجّ فلم تحجّ حتّى ماتت أفأحجّ عنها ؟ قال صلى الله عليه وسلم : نعم حجّي عنها ، أرأيت لو كان على أمّك دين أكنت قاضيته ؟ .. اقضوا اللّه ، فاللّه أحقّ بالوفاء ﴾ . وأمّا العقل ، فقال الكمال بن الهمام : وكان مقتضى القياس أن لا تجري النّيابة في الحجّ ، لتضمّنه المشقّتين البدنيّة والماليّة ، والأولى لم تقم بالآمر ، لكنّه تعالى رخّص في إسقاطه بتحمّل المشقّة الأخرى ، أعني إخراج المال عند العجز المستمرّ إلى الموت ، رحمة وفضلا ، وذلك بأن يدفع نفقة الحجّ إلى من يحجّ عنه ، بخلاف حال القدرة فإنّه لم يعذره لأنّ تركه ليس إلاّ لمجرّد إيثار راحة نفسه على أمر ربّه ، وهو بهذا يستحقّ العقاب ، لا التّخفيف في طريق الإسقاط ، وإنّما شرط دوامه ( أي العذر ) إلى الموت لأنّ الحجّ فرض العمر ... " وقال ابن قدامة : هذه عبادة تجب بإفسادها الكفّارة ، فجاز أن يقوم غير فعله فيها مقام فعله ، كالصّوم إذا عجز عنه افتدى بخلاف الصّلاة » . وأخذ المالكيّة بالأصل ، وهو عدم جريان النّيابة في العبادة البدنيّة ، كالصّوم .
شروط الحجّ الفرض عن الغير : أوّلا - شروط وجوب الإحجاج :
115 - يتضمّن ذلك شروط الأصيل المحجوج عنه لحجّة الفرض . يشترط لوجوب الإحجاج عن المكلّف عند الجمهور - خلافا للمالكيّة - : العجز عن أداء الحجّ الواجب عليه . ويشمل ذلك ما يلي :
أ - كلّ من وجب عليه الحجّ وهو قادر على الحجّ بنفسه وحضره الموت يجب عليه الوصيّة بالإحجاج عنه عند الحنفيّة . سواء حجّة الإسلام ، أو النّذر ، أو القضاء . ولم يوقف الشّافعيّة وجوب الإحجاج عنه على الوصيّة إجراء للحجّ مجرى الدّيون . أمّا المالكيّة : فلا يوجبون عليه الوصيّة ، ولا يسقط عنه الفرض بأداء الغير عنه - كما هو أصل مذهبهم الّذي عرفناه - لكن إذا أوصى نفذت وصيّته ، وإن لم يوص لم يرسل من يحجّ عنه .
ب - من توفّرت فيه سائر شروط وجوب الحجّ واختلّ شيء من شروط الأداء بالنّفس ، يجب عليه أن يحجّ عن نفسه ، أو يوصي بالإحجاج عنه إذا لم يرسل من يحجّ عنه .
ج - من توفّرت فيه شروط وجوب الحجّ بنفسه فلم يحجّ حتّى عجز عن الأداء بنفسه يجب عليه أن يحجّ عنه في حال حياته ، أو يوصي بالإحجاج عنه بعد موته . ويتحقّق العجز بالموت ، أو بالحبس ، والمنع ، والمرض الّذي لا يرجى زواله كالزّمانة والفالج ، والعمى والعرج ، والهرم الّذي لا يقدر صاحبه على الاستمساك ، وعدم أمن الطّريق ، وعدم المحرم بالنّسبة للمرأة ، إذا استمرّت هذه الآفات إلى الموت .
ثانيا : شروط النّائب عن غيره في الحجّ :
116 - اشترط الشّافعيّة والحنابلة لإجزاء الحجّ الفرض عن الأصيل أن يكون النّائب قد حجّ حجّة الإسلام عن نفسه أوّلا ، وإلاّ كانت الحجّة عن نفسه ، ولم تجزئ عن الأصيل ، وهو قول الأوزاعيّ وإسحاق بن راهويه . واكتفى الحنفيّة بأهليّة المأمور لصحّة الحجّ ، بأن يكون مسلما عاقلا ، فأجازوا أن يكون المأمور لم يحجّ عن نفسه حجّة الإسلام ( وهو المسمّى صرورة ) ، وأجازوا حجّ العبد ، والمراهق عن غيرهم ، وتصحّ هذه الحجّة البدليّة وتبرأ ذمّة الأصيل ، مع الكراهة التّنزيهيّة بالنّسبة للآمر ، والكراهة التّحريميّة بالنّسبة للمأمور إن كان تحقّق وجوب الحجّ عليه . ونحو ذلك عند المالكيّة في الحجّ عن الميّت يصحّ على القول بوجوب الحجّ على التّراخي عندهم ، أمّا على وجوبه على الفور فيحرم الحجّ عنه . استدلّ الأوّلون : بما أخرج أبو داود وابن ماجه عن ابن عبّاس رضي الله عنهما ﴿ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول : لبّيك عن شبرمة . قال : من شبرمة ؟ قال : أخ لي ، أو قريب لي . قال : حججت عن نفسك ؟ قال : لا . قال : حجّ عن نفسك ، ثمّ حجّ عن شبرمة ﴾ . واستدلّ الحنفيّة بإطلاق حديث الخثعميّة السّابق ، فإنّه صلى الله عليه وسلم قال لها : ﴿ حجّي عن أبيك ﴾ من غير استخبارها عن حجّها لنفسها قبل ذلك ، وترك الاستفصال يتنزّل منزلة عموم المقال .
ثالثا : شروط صحّة الحجّ الواجب عن الغير :