تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6 - تضافرت النّصوص الشّرعيّة الكثيرة على الإشادة بفضل الحجّ ، وعظمة ثوابه وجزيل أجره العظيم عند اللّه تعالى . قال اللّه تعالى : ﴿ وأذّن في النّاس بالحجّ يأتوك رجالا وعلى كلّ ضامر يأتين من كلّ فجّ عميق ، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم اللّه في أيّام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ... ﴾ . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : ﴿ من حجّ للّه فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمّه ﴾ . وعن عائشة رضي الله عنها أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : ﴿ ما من يوم أكثر أن يعتق اللّه فيه عبدا من النّار من يوم عرفة ، وإنّه ليدنو ثمّ يباهي بهم الملائكة ... ﴾ ومعنى يدنو : يتجلّى عليهم برحمته وإكرامه . وعن عبد اللّه بن مسعود رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : ﴿ تابعوا بين الحجّ والعمرة فإنّهما ينفيان الفقر والذّنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذّهب والفضّة ، وليس للحجّة المبرورة ثواب إلاّ الجنّة ﴾ . وعن أبي هريرة عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : ﴿ الحجّاج والعمّار وفد اللّه ، إن دعوه أجابهم وإن استغفروه غفر لهم ﴾ . ﴿ وعن عائشة رضي الله عنها ، قلت يا رسول اللّه : نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد ؟ قال : لا ، لكنّ أفضل الجهاد حجّ مبرور ﴾ . وعن أبي هريرة ﴿ رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سئل : أيّ الأعمال أفضل ؟ فقال : إيمان باللّه ورسوله ، قيل ثمّ ماذا ؟ قال : جهاد في سبيل اللّه ، قيل : ثمّ ماذا ؟ قال : حجّ مبرور ﴾ .

حكمة مشروعيّة الحجّ :

7 - شرعت العبادات لإظهار عبوديّة العبد لربّه ومدى امتثاله لأمره ، ولكن من رحمة اللّه تعالى أنّ أكثر هذه العبادات لها فوائد تدركها العقول الصّحيحة وأظهر ما يكون ذلك في فريضة الحجّ . وتشتمل هذه الفريضة على حكم جليلة كثيرة تمتدّ في ثنايا حياة المؤمن الرّوحيّة ، ومصالح المسلمين جميعهم في الدّين والدّنيا ، منها :

أ - أنّ في الحجّ إظهار التّذلّل للّه تعالى ، وذلك لأنّ الحاجّ يرفض أسباب التّرف والتّزيّن ، ويلبس ثياب الإحرام مظهرا فقره لربّه ، ويتجرّد عن الدّنيا وشواغلها الّتي تصرفه عن الخلوص لمولاه ، فيتعرّض بذلك لمغفرته ورحماه ، ثمّ يقف في عرفة ضارعا لربّه حامدا شاكرا نعماءه وفضله ، ومستغفرا لذنوبه وعثراته ، وفي الطّواف حول الكعبة البيت الحرام يلوذ بجناب ربّه ويلجأ إليه من ذنوبه ، ومن هوى نفسه ، ووسواس الشّيطان .

ب - أنّ أداء فريضة الحجّ يؤدّي شكر نعمة المال ، وسلامة البدن ، وهما أعظم ما يتمتّع به الإنسان من نعم الدّنيا ، ففي الحجّ شكر هاتين النّعمتين العظيمتين ، حيث يجهد الإنسان نفسه " وينفق ماله في طاعة ربّه والتّقرّب إليه سبحانه ، ولا شكّ أنّ شكر النّعماء واجب تقرّره بداهة العقول ، وتفرضه شريعة الدّين .

ج - يجتمع المسلمون من أقطار الأرض في مركز اتّجاه أرواحهم ، ومهوى أفئدتهم ، فيتعرّف بعضهم على بعض ، ويألف بعضهم بعضا ، هناك حيث تذوب الفوارق بين النّاس ، فوارق الغنى والفقر ، فوارق الجنس واللّون ، فوارق اللّسان واللّغة ، تتّحد كلمة الإنسان في أعظم مؤتمر بشريّ اجتمعت كلمة أصحابه على البرّ والتّقوى وعلى التّواصي بالحقّ والتّواصي بالصّبر ، هدفه العظيم ربط أسباب الحياة بأسباب السّماء .

شروط فرضيّة الحجّ :

8 - شروط الحجّ صفات يجب توفّرها في الإنسان لكي يكون مطالبا بأداء الحجّ ، مفروضا عليه ، فمن فقد أحد هذه الشّروط لا يجب عليه الحجّ ولا يكون مطالبا به ، وهذا الشّروط خمسة هي : الإسلام ، والعقل ، والبلوغ ، والحرّيّة ، والاستطاعة ، وهي متّفق عليها بين العلماء ، قال الإمام ابن قدامة في المغني : لا نعلم في هذا كلّه اختلافا » . الشّرط الأوّل : الإسلام :

9 - أ - لو حجّ الكافر ثمّ أسلم بعد ذلك تجب عليه حجّة الإسلام ، لأنّ الحجّ عبادة ، بل هو من أعظم العبادات والقربات ، والكافر ليس من أهل العبادة .

ب - ولو أسلم وهو معسر بعد استطاعته في الكفر ، فإنّه لا أثر لها .

ج - وقد أجمع العلماء على أنّ الكافر لا يطالب بالحجّ بالنّسبة لأحكام الدّنيا ، أمّا بالنّسبة للآخرة فقد اختلفوا في حكمه ، هل يؤاخذ بتركه أو لا يؤاخذ . وبيان ذلك في المصطلح الأصوليّ .

( الشّرط الثّاني ) : العقل :

10 - يشترط لفرضيّة الحجّ العقل ، لأنّ العقل شرط للتّكليف والمجنون ليس مكلّفا بفروض الدّين ، بل لا تصحّ منه إجماعا ، لأنّه ليس أهلا للعبادة ، فلو حجّ المجنون فحجّه غير صحيح ، فإذا شفي من مرضه وأفاق إلى رشده تجب عليه حجّة الإسلام . روى عليّ بن أبي طالب عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : ﴿ رفع القلم عن ثلاثة : عن المجنون المغلوب على عقله حتّى يفيق ، وعن النّائم حتّى يستيقظ ، وعن الصّبيّ حتّى يحتلم ﴾ .

( الشّرط الثّالث ) : البلوغ :

11 - يشترط البلوغ ، لأنّ الصّبيّ ليس بمكلّف ، وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : ﴿ رفعت امرأة صبيّا لها فقالت : يا رسول اللّه ألهذا حجّ ؟ قال : نعم ولك أجر ﴾ . فلو حجّ الصّبيّ صحّ حجّه وكان تطوّعا ، فإذا بلغ الصّبيّ وجب عليه حجّة الفريضة ، بإجماع العلماء ، لأنّه أدّى ما لم يجب عليه ، فلا يكفيه عن الحجّ الواجب بعد البلوغ ، لما روى ابن عبّاس قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : ﴿ إذا حجّ الصّبيّ فهي له حجّة حتّى يعقل ، وإذا عقل فعليه حجّة أخرى ، وإذا حجّ الأعرابيّ فهي له حجّة ، فإذا هاجر فعليه حجّة أخرى ﴾ .

( الشّرط الرّابع ) : الحرّيّة :

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ٨١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ٨١٩