9 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه لا يجوز ذبح الحيوان الّذي لا يؤكل لحمه لأخذ جلده ، قال النّوويّ : مذهبنا أنّه لا يجوز ، وسواء في هذا الحمار الزّمن والبغل المكسّر وغيرهما ، وقال أبو حنيفة : يجوز ذبحه لجلده وعن مالك روايتان أصحّهما عنه جوازه والثّانية تحرّمه. وقال الحنابلة : لا يجوز ذبح الحيوان غير المأكول لأجل جلده ، قال الشّيخ تقيّ الدّين بن تيميّة : ولو كان في النّزع .
خامساً - تطهير الجلد بالدّباغ :
10 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة على أنّ جلد الميتة - بصفة عامّة - يطهر بالدّباغ للأحاديث الصّحيحة في ذلك ، ومنها « أيّما إهاب دبغ فقد طهر » وحديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « قال في شاة ميمونة : هلاّ أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به ، قالوا : يا رسول اللّه ، إنّها ميتة ، قال : إنّما حرم أكلها » .
وقالوا : إنّه جلد طاهر طرأت عليه نجاسة فجاز أن يطهّر كجلد المذكّاة إذا تنجّس ، لأنّ نجاسة الميتة لما فيها من الرّطوبات والدّماء السّائلة ، وأنّها تزول بالدّباغ فتطهر كالثّوب النّجس إذا غسل ، ولأنّ الدّباغ يحفظ الصّحّة على الجلد ، ويصلحه للانتفاع به كالحياة ، ثمّ الحياة تدفع النّجاسة عن الجلد فكذلك الدّباغ .
ثمّ قال الحنفيّة : كلّ إهاب دبغ وهو يحتمل الدّباغة طهر ، وما لا يحتملها لا يطهر ، إلاّ أنّ جلد الخنزير لا يطهر ، لأنّ الخنزير نجس العين بمعنى أنّ ذاته بجميع أجزائه نجسة حيّاً وميّتاً فليست نجاسته لما فيه من الدّم كنجاسة غيره من الحيوانات ، فلذا لم يقبل التّطهير في ظاهر الرّواية إلاّ في رواية عن أبي يوسف ذكرها في كتاب " منية المصلّي " .
وقال الشّافعيّة : كلّ الجلود النّجسة بعد الموت تطهر بالدّباغ إلاّ الكلب والخنزير والمتولّد من أحدهما ، فلا يطهر جلدهما بالدّباغ ، لأنّ الدّباغ كالحياة ، ثمّ الحياة لا تدفع النّجاسة عن الكلب والخنزير فكذلك الدّباغ ، ولا يزيد الدّباغ على الحياة .
وقال الحنفيّة : الدّباغ تطهير للجلود ، ولا يحتاج بعده إلى تطهير بالماء .
وقال الشّافعيّة - في الأصحّ عندهم - لا يطهر الجلد المدبوغ حتّى يغسل بالماء ، لأنّ ما يدبغ به تنجّس بملاقاة الجلد ، فإذا زالت نجاسة الجلد بقيت نجاسة ما يدفع به ، فوجب أن يغسل حتّى يطهر .
وذهب المالكيّة - في المشهور عندهم - والحنابلة - في المشهور في المذهب وهو إحدى الرّوايتين عن أحمد - إلى أنّ جلد الميتة نجس ولو دبغ ، ولا يفيد دبغه طهارته ، ولكن يجوز استعماله في غير المائعات . ومقابل المشهور عند المالكيّة خمسة أقوال ، وعند الحنابلة : أنّه يطهر بالدّباغ جلد ما كان طاهرا في حال الحياة .
وفي بقيّة مذاهب الفقهاء في طهارة الجلد بالدّباغ تفصيل أورده النّوويّ في المجموع .
وفي الدّباغ ، وما يدبغ به ، والحاجة إلى فعل للدّبغ ، وغير ذلك .. تفصيل ينظر في مصطلح : ( دباغة ) .
سادساً - الاستنجاء بالجلد :
11 - اتّفق الفقهاء على أنّه يجوز الاستنجاء بيابس ، جامد ، طاهر منقّ ، قالع للنّجاسة ، غير مؤذ ولا محرّم ، فلا يجوز الاستنجاء بمبتلّ ، أو نجس ، أو أملس ، أو محدّد ، أو محرّم لكونه مطعوماً أو حقّاً للغير أو لشرفه .
ولهم في الاستنجاء بالجلد غير المأكول تفصيل : قال الحنفيّة - كما ورد في الفتاوى الهنديّة - يجوز الاستنجاء بنحو حجر منقّ كالمدر والتّراب والعود والخرقة والجلد وما أشبهها . وذهب المالكيّة إلى أنّ الجلد المذكّى الّذي تحلّه الذّكاة يطهر بها ، ولكنّه لا يجوز الاستنجاء به لأنّه مطعوم .
أمّا غير المذكّى فإنّه لا يطهر بالدّباغ ولذلك لا يجوز الاستنجاء به أيضا لنجاسته .
وقال الشّافعيّة : الطّاهر من الجلد ضربان :
الأوّل : جلد المأكول المذكّى ولو غير مدبوغ ، والمدبوغ من غير المأكول ، أمّا غير المدبوغ ففي جواز الاستنجاء به قولان :
أحدهما : الجواز كالثّياب وسائر الأعيان وإن كان فيه حرمة ، فليست هي بحيث تمنع الاستعمال في سائر النّجاسات فكذلك في هذه النّجاسة .
وأصحّهما : المنع ، لأمرين : أحدهما أنّ فيه دسومة تمنع التّنشيف .
والثّاني : أنّه مأكول حيث يؤكل الجلد التّابع للرّؤوس والأكارع تبعا لها ، فصار كسائر المطعومات . ومنهم من قال : لا يجوز بلا خلاف ، وإليه مال الشّيخ أبو حامد وكثيرون ، وحملوا ما نقل من تجويز الاستنجاء على ما بعد الدّباغ .
والضّرب الثّاني : وهو المدبوغ ، وفيه قولان : أصحّهما : الجواز لأنّ الدّباغ يزيل ما فيه من الدّسومة ، ويقلبه عن طبع اللّحوم إلى طبع الثّياب .
والثّاني : لا يجوز لأنّه من جنس ما يؤكل ويجوز أكله إذا دبغ وإن كان جلد ميتة على اختلاف فيه . ومنهم من قال : يجوز بلا خلاف ، وما نقل من المنع محمول على ما قبل الدّباغ . وعند الحنابلة : المشهور في المذهب أنّ الدّبغ لا يطهّر جلد الميتة بل يظلّ نجساً ، فلا يجوز الاستنجاء به ، وجلد الحيوان المذكّى يحرم الاستنجاء به لأنّ له حرمة الطّعام .
سابعاً - طهارة الشّعر على الجلد :